الشيخ محمد رشيد رضا

349

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نبوته ( ص ) كونه ظهر على لسان رجل أمي لم يقرأ ولم يطلع على شيء من كتب الدين ولا كتب التاريخ ، وقد احتج بهذا على قومه فلم يستطع أحد ممن انتصبوا لعداوته ان يرفع في الانكار عليه رأسا أو ينبس في الرد عليه بكلمة ، ( 11 : 49 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) فإذا كان في أهل هذا العصر من لا يفكر في هذه الآية البينة على نبوة محمد ( ص ) وهي خاصة بقصص القرآن لما ذكرنا من السبب ، ومن لا يفكر في إعجاز القرآن ببلاغته بعد ان عاش النبي ثلثي عمره قبله ولم يكن في كلامه ما هو معجز - فان كفار قريش لم يكونوا يستطيعون انكار كون محمد ( ص ) كان أميا مثلهم وانه لم يكن يعرف شيئا من أخبار الرسل مع أقوامهم ، ولا كان ممتازا بالبلاغة والفصاحة فيهم ، ولكن كان بعضهم يجهل ما يعرفه أهل هذا العصر من كون تلك القصص كانت صحيحة لا من أساطير الأولين وأوضاعهم الخرافية التي لا يثبت لها أصل ، ولأجل هذا سأل بعضهم اليهود عنها ، كما كان بعضهم يجهل ما فيها من الآيات والعبر لعدم تدبرها . قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : الاسطارة لغة الخرافات والترهات ، وهي التي تجمع على أساطير ، وقال الأخفش واحد الأساطير أسطورة * * * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ضمير « وَهُمْ » عائد إلى المشركين المعاندين للنبي ( ص ) الجاحدين لنبوته الذين ورد هذا السياق بطوله فيهم . لا إلى الفريق الذي ذكر أخيرا في قوله « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ » والمعنى انهم ينهون الناس عن سماع القرآن من النبي ( ص ) وينأون أي يبعدون عنه ليكونوا ناهين منتهين . والنأي عنه يشمل الاعراض عن سماعه والاعراض عن هدايته . وقيل إن المعنى ينهون عن النبي ( ص ) أي ينهون العرب عن حمايته ومنعه وعن اتباعه والسماع له جميعا ويبعدون عنه بعد جفاء وعداوة وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ أي وما يهلكون بذلك الا أنفسهم وما يشعرون بذلك بل يظنون أنهم يقضون عليه صلوات اللّه وسلامه عليه . وهذا من معجزات القرآن واخباره بالغيب فقد هلك جميع الذين اصروا على عداوة الرسول ( ص ) بعضهم بالنقم الخاصة وبعضهم في بدر ثم في