الشيخ محمد رشيد رضا

342

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم أمر اللّه تعالى رسوله ( ص ) بالشهادة له بالوحدانية التي جحدها المشركون وبراءته من قولهم وشهادتهم بالشرك فقال أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ ! قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ قالوا إن الاستفهام هنا للتقرير مع الانكار والاستبعاد . وقد أمره تعالى أن يجيب بأنه لا يشهد كما يشهدون ، ثم أمره أمرا آخر بأن يشهد بنقيض ما يزعمون ويتبرأ منه وهو أن يصرح بأن الاله لا يكون الا واحدا ، ويتبرأ مما يشركونه به من الأصنام وغيرها أو من اشراكهم مهما يكن موضوعه ، وانما قال « قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ » فأعاد الامر ولم يعطف المأمور به على ما قبله لإفادة أن الاقرار بالوحدانية مقصود بذاته لا يغني عنه نفي الشهادة بالشرك . * * * ( 20 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ ؛ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ؟ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 22 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 23 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 24 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ * * * روي أن قريشا أرسلت إلى المدينة من سأل اليهود عن النبي ( ص ) ورجعوا إلى مكة فزعموا أن اليهود قالوا ليس له عندنا ذكر ، فلما صار لهم عهد باليهود كان مما رد اللّه تعالى به عليهم في هذه السورة قوله بعد ما تقدم من الحجج الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي يعرفون محمدا النبي الأمي خاتم الرسل ( ص ) كما يعرفون أبناءهم لان نعته في كتبهم واضح ظاهر . وقد تقدم نص هذه الجملة في