الشيخ محمد رشيد رضا
343
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سورة البقرة كآيات أخرى في معناها وبينا في تفسيرها ما يؤيدها من شواهد التوراة والإنجيل . ثم بين تعالى علة انكار المكابرين منهم لما يعرفونه من أمر نبوته ( ص ) فقال الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قيل إن « الَّذِينَ » هنا بيان للذين الأولى أو بدل منها ، ويجوز ان يكون مبتدأ ، أي الذين خسروا أنفسهم منهم فهم لا يؤمنون به بل يكفرون كبرا وعنادا فهم لذلك ينكرون ما يعرفون . وقد بينا قريبا معنى هذه الجملة إذ وردت بنصها في الآية الثالثة عشرة من هذه السورة والعهد بها قريب ، وموقعها هنا ان علة انكار من أنكر نبوة محمد ( ص ) من علماء اليهود كعلة انكار من أنكرها من المشركين بعد ظهور آياتها وأنكر ما هو أعظم منها وأظهر وهو وحدانية اللّه تعالى ، وهي أنهم خسروا أنفسهم فهم يؤثرون ما لهم من الجاه والمكانة والرياسة في قومهم ، على الايمان بالرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ، لعلهم بأن هذا الايمان يسلبهم تلك الرياسة ويجعلهم مساوين لسائر المسلمين في جميع الأحكام وكذلك كان بعض رؤساء قريش يعز عليه ان يؤمن فيكون مرءوسا وتابعا [ ليتيم أبي طالب ] فكيف وهو يكون بعد ذلك مساويا لبلال الحبشي وصهيب الرومي وغيرهم من فقراء المسلمين ، فخسران هؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية لأنفسهم هو من قبيل ضعف الإرادة لا من نوع فقد العلم والمعرفة لان اللّه تعالى أخبر انهم على معرفة صحيحة في هذا الباب . وروي أن خسران النفس هنا عبارة عن خسرانها في الآخرة فقط بخسران أمكنتهم التي كانت معدة لهم في الجنة لو آمنوا بالرسول واعطائها للمؤمنين ، ولما كان هذا الخسران أعظم ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم قال تعالى فيهم * * * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ؟ أي لا أحد ، أظلم ممن افترى على اللّه كذبا كزعم من زعم أن له ولدا أو شريكا أو ان غيره يدعى معه أو من دونه ويتخذ وليا له بقرب الناس اليه زلفى ويشفع لهم عنده ، أو زاد في دينه ما ليس منه - أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن المجيد ، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته والتي يؤيد بها رسله ، وإذا كان كل من هذا التكذيب وذلك الكذب والافتراء يعد وحده غاية في الظلم ويطلق على صاحبه اسم التفضيل فيه فكيف يكون