الشيخ محمد رشيد رضا

331

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حصول المطلوب من غير أسبابه العادية التي مضت بها السنن الإلهية العامة قد كان بمجموع إرادة هؤلاء الأولياء وإرادة اللّه تعالى ، فمقتضى هذا الاعتقاد ان إرادة اللّه تعالى ما تعلقت بفعل ذلك المطلب الا بالتبع لإرادة الولي الشافع أو المتخذ وليا شفيعا ، والحق ان إرادة اللّه تعالى أزلية لا يمكن أن تؤثر فيها المحدثات ، كما تقدم تقريره مرارا بشواهد الآيات القرآنية . ثم وصف اللّه تعالى بما ينافي اتخاذ غيره وليا فقال فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما أي مبدئهما على غير مثال سابق ، وروي عن ابن عباس أنه قال ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : انا فطرتها . أي ابتدعتها . وأصل الفطر الشق ، ومنه ( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) بمعنى ( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) وقيل للكمأة فطر لأنها تفطر الأرض فتخرج منها . وايجاد البئر انما يبتدأ بشق الأرض بالحفر . وقد كانت المادة التي خلق اللّه منها السماوات والأرض كتلة واحدة دخانية ، ففتق رتقها وفصل منها أجرام السماوات والأرض ، وذلك ضرب من الفطر والشق ( أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) - الرؤية هنا علمية - وصف اللّه تعالى بفاطر السماوات والأرض - وهو لا نزاع فيه - يؤيد انكار اتخاذ غيره وليا يستنصر ويستعان به أو يتخذ واسطة للتأثير في الإرادة الإلهية ، فان من فطر السماوات والأرض بمحض إرادته من غير تأثير مؤثر ولا شفاعة شافع يجب ان يتوجه اليه وحده بالدعاء . وإياه يستعان في كل ما وراء الأسباب ، وأكد هذا بقوله وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي يرزق الناس الطعام ولا يحتاج إلى من يرزقه ويطعمه لأنه منزه عن الحاجة إلى الطعام وغيره غني بنفسه عن كل ما سواه . وقرأ أبو عمرو « ولا يطعم » بفتح الياء ، أي لا يأكل . وهذه الجملة حالية مؤيدة لانكار اتخاذ ولي غير اللّه ، وفيها تعريض بمن اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام لا حياة لهم ولا بقاء إلى الاجل المحدود بدونه ، وان اللّه تعالى هو الذي خلق لهم الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه وعاجزون عن خلقه وايجاده فكيف يتخذون أولياء مع الغني الحميد ، الرزاق الفعال لما يريد ، كما قال في الاحتجاج على