الشيخ محمد رشيد رضا
332
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
النصارى في عبادة المسيح وأمه عليهما السّلام ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) وأما الأولياء المتخذة من غير البشر كالأصنام ، فهي أضعف وأعجز من البشر ، لاتفاق عقلاء الأمم كلها على تفضيل الحيوان على الجماد ، وتفضيل الانسان على جميع أنواع الحيوان قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي قل أيها الرسول بعد ايراد هذه الآيات والحجج على وجوب عبادة اللّه وحده وعدم اتخاذ غيره وليا : اني أمرت من لدن ربي الموصوف بما ذكر من الصفات أن أكون أول من أسلم اليه وانقاد لدينه من هذه الأمة التي بعثت فيها ، فلست أدعو إلى شيء لا آخذ به ، بل أنا أول مؤمن وعامل بهذا الدين وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي وقيل لي بعد هذا الامر بالسبق إلى إسلام الوجه له : لا تكونن من المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء يزعمون أنهم يقربونهم اليه زلفى . فأنا تبرأ من دينكم ومنكم . وحاصل المعنى أنني أمرت بالاسلام ونهيت عن الشرك . كذا قيل ، والأولى أن يقال : إن حاصله الجمع بين الاسلام والبراءة من الشرك وأهله * * * وبعد هذا القول المبين لأصل الدعوة وأساس الدين وكون الداعي اليه مأمورا به كغيره - أمر اللّه رسوله بقول آخر في بيان جزاء من خالف ما ذكر من الامر والنهي آنفا وأنه عام لا هوادة فيه ولا شفاعة تحول دونه فقال قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قدم ذكر الخوف على شرطه الذي شأنه أن يتقدمه لأنه هو الأهم المقصود بالذكر ، وشرط « إن » لا يقتضي الوقوع ، فالمعنى إن فرض وقوع العصيان مني لربي فإنني أخاف أن يصيبني عذاب يوم عظيم ، وهو يوم القيامة ، وصف بالعظم لعظمة ما يكون فيه من تجلي الرب سبحانه ومحاسبته للناس ومجازاته لهم . وحكمة هذا التعبير ما أشرنا اليه من أن هذا الدين دين اللّه الحق لا محاباة فيه لأحد مهما يكن قدره عظيما في نفسه . وأن يوم الجزاء لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة - بالمعنى المعروف عند المشركين - ولا سلطان لغير اللّه تعالى فيتكل عليه من يعصيه ، ظنا أنه يخفف عنه أو ينجيه ، ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ