الشيخ محمد رشيد رضا

330

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مالك للمكان والمكانيات ، والزمان والزمانيات ، ( قال الرازي ) وهذا بيان في غاية الجلالة . وأقول : ههنا دقيقة أخرى وهو ان الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات ، وذلك لان المكان والمكانيات ، أقرب إلى العقول والافكار من الزمان والزمانيات ، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة . والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الاخفى فالاخفى اه بعد هذا القول الذي أمر اللّه به رسوله للتذكير بأنه الرب المالك لكل شيء المتصرف بالفعل والتدبير في كل شيء حتى دقائق الأشياء والأمور وخفاياها ، وان تصرفه هذا عن علم محيط لا يعزب عنه مثال ذرة ولا دبيب نملة ، أمره بقول آخر بين فيه ما يستلزمه ما قبله من وجوب ولايته تعالى وحده والتوجه اليه دون سواه في كل ما هو فوق كسب البشر ، والاعتماد على توفيقه فيما هو من كسبهم ، ولا يتم به المراد بمحض سعيهم ، فقال * * * قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا الولي الناصر ومتولي الامر المتصرف فيه ، والاستفهام هنا لإنكار اتخاذ غير اللّه وليا لا لانكار اتخاذ الولي مطلقا ولهذا لم يقل : أأتخذ وليا غير اللّه ، ولا : أأتخذ غير اللّه وكيلا . ومثله ( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) وانما يتحقق اتخاذ غير اللّه وليا في صورة واحدة وهو ان يطلب من غيره النصر أو غير النصر من ضروب التصرف في النفع والضر فعلا ومنعا فيما هو فوق كسب ذلك الغير وتصرفه الذي منحه اللّه لأبناء جنسه ، ولذلك فسر الولي بالمعبود في هذا المقام ، وأما تناصر المخلوقين وتولي بعضهم لبعض فيما هو من كسبهم العادي فلا يدخل في عموم اتخاذ غير اللّه وليا أو اتخاذهم أولياء من دون اللّه . فقد أثنى اللّه تعالى على المؤمنين بأن بعضهم أولياء بعض . وبين أيضا ان الكفار بعضهم أولياء بعض . وقد تقدم بيان هذا من قبل ، وقد كان المشركون من الوثنيين ومن طرأ عليهم الشرك من أهل الكتاب يتخذون معبوداتهم وأنبياءهم وصلحاءهم أولياء من دون اللّه تعالى بمعنى انهم بندائهم ودعائهم والتوجه إليهم والاستغاثة بهم يشفعون لهم عند اللّه تعالى في قضاء حاجهم من نصر على عدو وشفاء من مرض وسعة في رزق وغير ذلك ، فكان هذا عبادة منهم لهم وجعلهم شركاء للّه باعتقاد كون