الشيخ محمد رشيد رضا

327

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هريرة ان النبي ( ص ) قال « ان اللّه لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش : ان رحمتي تغلب غضبي » وفي رواية « ان رحمتي سبقت غضبي » وانما السبق والغلب في أثري الرحمة والغضب وتعلقهما لا في الصفات أنفسها ، وسنزيد هذا البحث بيانا في تفسير ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) من سورة الأعراف ان أحيانا اللّه تعالى أما تعلق جمع الناس إلى يوم القيامة بكتابة الرحمة من جهة نظم الكلام واعرابه فقيل إن كتابة الرحمة تأكيد لها في معنى القسم وجملة « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » جواب لقسم محذوف حل محله ما في معناه . وقيل إن الجملة استئناف بياني . كأنه قيل وما مقتضى هذه الرحمة ، وما موقعها من موضوع دعوة الرسالة ؟ فقيل إنه تعالى أقسم ليجمعنكم ، إذ لو لم يجمعكم للحساب والجزاء لظل كثير من المحسنين منكم مغبونين محرومين ، وكثير من المظلومين مهضومين . وكثير من الظالمين المسيئين غير مؤاخذين ، ذلك بأن ما يترتب على الاعمال الحسنة في الدنيا من حسن الأثر وعلى الاعمال السيئة من قبح الأثر ليس عاما مطردا في جميع الافراد كما تقدم آنفا وهو يعلم من الاختبار ومن سنن اللّه الاجتماعية والكونية ، وذلك ينافي الرحمة ، كما ينافي العدل والحكمة ، فمن مقتضى كتابته سبحانه الرحمة على نفسه ان يجمع الناس للفصل بينهم وجزاء كل منهم بما يقتضيه العدل في الكل والفضل في البعض . والجمع بمعنى الحشر ويتعديان بالى ، يقال : جمعهم اليه وحشرهم اليه . وجمع الناس إلى يوم القيامة معناه حشرهم إلى موقفه أو حسابه ، أو معناه ليجمعنكم منتهين إلى ذلك اليوم . وقيل إن « إِلى » صلة وقيل إنها بمعنى في ، وكلاهما ضعيف وأما قوله تعالى الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فمعناه أخص هؤلاء ممن يجمعون إلى يوم القيامة بالذكر أو التذكير أو بالذم والتوبيخ فإنهم لخسرانهم أنفسهم في الدنيا لا يؤمنون بالآخرة . ولا شك في أن هؤلاء أولى بأن يتعتعوا بالتذكير ، أو بالذم المفضي إلى التفكير ، وقيل إن المعنى ليجمعنكم إلى يوم القيامة أنتم أيها الذين خسروا أنفسهم الخ خاطبهم كافة ثم أبدل من الكل بعضه الأجدر بالخطاب الأحوج اليه - أو وصف أولئك المخاطبين بهذا الوصف الدال على أنه هو مناط الانذار والوعيد . وقيل إن الجملة مستقلة معناها ان الذين خسروا أنفسهم لا يؤمنون