الشيخ محمد رشيد رضا

328

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بهذا الجمع ولا ينتفعون بخبره . والأول أقوى وأظهر : وخسارة الأنفس عبارة عن افساد فطرتها وعدم اهتدائها بما منحها اللّه تعالى من الهدايات التي أشرنا اليه آنفا . فالمقلدون قد خسروا أنفسهم لأنهم حرموا أنفسهم من استعمال أشرف النعم الغريزية وهو العقل ، وحرّموا على أنفسهم أفضل الفضائل الكسبية وهو العلم والفهم ، وإذا كان بعض الأئمة قد صرح بأن المجتهد المخطئ أفضل من المقلد لمجتهد مصيب ، فكيف يكون حال المقلد في الشرك والكفر والعياذ باللّه تعالى . والحرمان من مضاء العزيمة وقوة الإرادة خسران للنفس يضاهي خسرانها بفقد العلم الاستدلالي ، فان ضعيف الإرادة ان أوتي حظا من العلم لا يقوم بحقه ولا يعمل به كما يجب ، لأن ما يهدي اليه العلم الصحيح من وجوب نصر الحق وخذل الباطل ومجاهدة الأهواء الرديئة وعمل الخير والتعاون على البر - كل ذلك لا يخلو من مشقة لا يحملها الا ذو العزيمة الصادقة ، والإرادة الثابتة فمن خسر نفسه بالتقليد لا ينظر ولا يستدل حتى يهتدي إلى الايمان ، ومن خسر نفسه بوهن الإرادة قلما ينظر ويستدل أيضا ، فان هو نظر وظهر له الحق بما قام من البرهان عليه قعد به ضعف الإرادة عن احتمال لوم اللائمين ، واحتقار الأهل والمعاشرين ، لمن ترك دين آبائه وأجداده ، وصبا إلى حزب أعدائهم وأعدائه . هذا ما يقال في مثل حال المشركين في عهد نزول هذه السورة . وان ضعف الإرادة ليصد صاحبه في كل زمان ومكان عن الواجبات وسائر الأعمال التي لا بد فيها من احتمال مشقة بدنية أو نفسية وان كانت من أعمال الايمان ومصالح الأمة والوطن ، ولو بحثت عن خسران الافراد المتعلمين الذين يعرفون الحقوق والواجبات لكرامة أنفسهم ، وخسران الجماعات والأمم التي تولى زعامتها أمثال هؤلاء الافراد لاستقلالها وصلاح أمرها - لرأيت سبب هذا وذاك وهن العزيمة وذبذبة الإرادة . فالفوز والفلاح في الدين والدنيا لا يتم الا بالعلم الصحيح والعزيمة الحافزة إلى العمل بالعلم ، فمن خسر إحدى الفضيلتين يصدق عليه انه خسر نفسه سواء كان فردا أو أمة ، فما بال من خسرهما كلتيهما والعياذ باللّه تعالى وقد لمح الزمخشري خسران النفس في الآخرة فأورد على الآية إشكالا