الشيخ محمد رشيد رضا
326
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكل منهما من لوازم تلك العقائد والاخلاق والاعمال ، فهي كالاعمال الضارة والوساوس العصبية ( الهستيرية ) التي تترتب عليها الأمراض المعضلة والادواء القاتلة ، كما أن ما تقدم من مقابلها يشبه لاعمال البدنية والنفسية التي يرتاض بها البدن والعقل حتى يبلغ بهما المرء من الصحة والاعتدال ، ما هو مقدر له من الكمال ، فعلى هذا تكون هداية الدين للعقائد الصحيحة والفضائل والآداب والعبادات وزجره عن الوثنية والخرافات والرذائل والشرور - كل ذلك كبث الوصايا الصحية والعلوم الطبية في الناس ، ليكون لهم وازع من أنفسهم يتقون به ما يضرهم ويقبلون على ما ينفعهم - وتلك رحمة عظيمة بهم ، ولا ينافي كون ذلك من الرحمة ما يترتب على الباطل والشر من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة . لأنه جناية منهم على أنفسهم ، فمثلهم فيه كمثل المريض يخالف أوامر الطبيب ونواهيه الخاصة ويخالف الوصايا الصحية العامة فيزداد أمراضا وأسقاما ، ولا ينافي ذلك كون تلك الوصايا رحمة بالناس ونعمة عليهم . وأما الجزاء الثاني الذي هو انشاء من مقتضى الفضل أو العدل فهو مترتب على الجزاء الأول وتابع له وهو قسمان ( أحدهما ) ما يزيد اللّه المحسنين من الكرامة والنعيم بفضله ، على ما استحقوه بايمانهم وأعمالهم الصالحة بحسب وعده ، ولما كانت الرحمة أعم وأوسع وأعظم كان هذا النوع من الجزاء خاصا بالمحسنين من عباده ، فهو رحمة خاصة نسأله تعالى ان يجعلنا من خيار أهلها . ( وثانيهما ) القصاص في الحقوق وإن قلت وما يقتص به تعالى في الآخرة للمظلومين من الظالمين بحسب عدله . ولما كان مقتضى الرحمة والفضل ، أعم وأسبق من مقتضى العدل ، كان جزاء الظالمين المسيئين على قدر استحقاقهم ، ومنهم من يعفو اللّه عنهم ، فالجزاء على الإساءة قد ينقص منه بالعفو والمغفرة ، ولكن لا يزاد فيه شيء قط . وانما الزيادة في الجزاء على الاحسان : ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) وبيان الدين لهذا النوع من الجزاء رحمة أيضا فهو كبيان الحكومة العادلة للأمة ما تؤاخذ عليه من الاعمال الضارة ، وما ينال المحسنين من الامن والعز والترقي في خدمة الدولة . روى الشيخان وغيرهما عن أبي