الشيخ محمد رشيد رضا
325
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ينكره لجهله أو غفلته عن كونه لازما لما يعرفه ويعتقده . وليس المسؤول عنه هنا مما لا يقدر على انكاره منكر ولا على دفعه دافع ، فقد أنكره أهل الالحاد والتعطيل ، فالظاهر أن يقال إن اللّه تعالى أمره بالجواب وان يبدأه بما كانوا يجيبون به كما علم من آيات أخرى « 1 » ليبني عليه قوله كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ والمعنى ان اللّه تعالى الذي تقرون معي بأن له ما في السماوات وما في الأرض قد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه كما يعلم ذلك من إفاضة نعمه عليهم ظاهرة وباطنة . ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم إلى يوم القيامة حال كونه لا ريب فيه - أو جمعا لا ريب فيه - أي ليس من شأنه ان يرتاب فيه من تدبر دلائل رحمة اللّه وحكمته ، فان هذا الجمع لأجل الحساب والجزاء فهو رحمة بالمكلفين ينافي الفوضى والاهمال واستباحة الظلم ، والعلم به رحمة أيضا ، لأنه وازع نفسي لا يتم تهذيب النفس بدونه ، بل الرحمة أعم من ذلك . فمن رحمته تعالى بالناس ما منحهم من هدايات الحواس والوجدان والعقل وهداية الدين المقوّم لما يجنونه على تلك الهدايات باستعمالها فيما يضرهم ولا ينفعهم ، والمساعدة لهم على تكميل فطرتهم وتزكية أنفسهم بيان ذلك أن من أصول دينه القويم - الذي هو مظهر رحمته العليا الموافق لفطرته التي فطر الناس عليها - أن لأعمال البشر جزاء فطريا هو أثر لازم للعمل بحسب سنته تعالى في تأثير الاعمال النفسية والبدنية في اصلاح الأنفس أو إفسادها ، وجزاء آخر وضعيا أو شرعيا تابعا له هو إنشاء فضل أو عدل منه عز وجل ، فالأول - وهو الأصل - ما يترتب على تزكية النفس بالعقائد الصحيحة والعلوم الثابتة والاخلاق الكريمة التي تطبعها فيها عبادة اللّه تعالى وحسن المعاملة مع خلقه من هناء المعيشة في الدنيا بالجمع بين لذة الحياة العقلية والروحية ولذة الحياة الجسدية المعتدلة وهو أدنى الجزاءين وأقلهما وغير المطرد منهما - وما يترتب على ذلك من النعيم المقيم في الآخرة - وهو الكامل المطرد - وما يترتب على تدسية النفس وافساد فطرتها بالعقائد الباطلة كخرافات الوثنية وأوهامها وبسفساف الاخلاق والملكات الرديئة التي تطبعها فيها تلك الأوهام السخيفة والاعمال القبيحة والعبادات الوثنية من شقاء المعيشة في الدنيا وعذاب الآخرة
--> ( 1 ) راجع تفسير الآية الثالثة من هذه السورة