الشيخ محمد رشيد رضا

320

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من يحف بهم إلى ما فيه خير العامة ، وترويح قلوب الخاصة ، ولا يخلو العالم من متشبهين بهم ، ولكن ما أسرع ما ينكشف حالهم ، ويسوء مآلهم ، ومآل من غرّروا به ، ولا يكون لهم الا سوء الأثر في تضليل العقول وفساد الاخلاق وانحطاط شأن القوم الذين رزؤا بهم ، الا أن يتداركهم اللّه بلطفه ، فتكون كلمتهم الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار - فلم يبق بين المنكرين لأحوال الأنبياء ومشاهدهم وبين الاقرار بامكان ما أنبؤا به بل وبوقوعه الاحجاب من العادة ، وكثيرا ما حجب العقول حتى عن ادراك أمور معتادة » * * * ( 10 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 11 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * * * بعد ان بين اللّه تعالى لخاتم رسله سنته في شبهات الكفار المعاندين على الرسالة ، واصرارهم الجحود والتكذيب بعد إعطائهم الآيات التي كانوا يقترحونها وعقابه تعالى إياهم على ذلك - بين له شأنا آخر من شؤون أولئك الكفار مع رسلهم وسنته تعالى في عقابهم عليه فقال وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ظاهر كلام نقلة اللغة ان الهزء ( بضمتين وبضم فسكون ) والاستهزاء بمعنى السخرية ، وأن قولهم هزئ به واستهزأ به مرادف لقولهم سخر منه ، ويفهم من كلام بعض المدققين ان الحرفين متقاربا المعنى ولكن بينهما فرقا لا يمنع من استعمال كل منهما حيث يستعمل الآخر كثيرا ، قال الراغب : الهزؤ مزح في خفية ( كذا ولعل صوابه في خفة ) وقد يقال لما هو كالمزح ، فمما قصد به المزح قوله ( اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً * وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً * وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) . . . والاستهزاء ارتياد الهزؤ وان كان قد يعبر به عن تعاطي الهزؤ ، كالاستجابة في كونها ارتيادا