الشيخ محمد رشيد رضا

321

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إدالة الدولة ، وقد كان جزاء المستهزئين بمن قبله من الرسل عذاب الخزي بالاستئصال ، ولكن اللّه كفاه المستهزئين به فأهلكهم ولم يجعلهم سببا لهلاك قومهم ، وامتن عليه بذلك في سورة الحجر إذ قال ( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) والمشهور أنهم خمسة من رؤساء قريش هلكوا في يوم واحد . * * * ولما كان كون أمر المستهزئين بالرسل إلى الهلاك بحسب سنة اللّه المطردة فيهم مما يرتاب فيه مشركو مكة الذين يجهلون التاريخ ، ولا يأخذون خبر الآية فيه بالتسليم ، أمر اللّه تعالى رسوله بأن يدلهم على الطريق الذي يوصلهم إلى علم ذلك بأنفسهم فقال قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي قل أيها الرسول للمكذبين بك من قومك - الذين قالوا : لولا أنزل عليه ملك - : سيروا في الأرض كشأنكم وعادتكم ، وتنقلوا في ديار أولئك القرون الذين مكناهم في الأرض ومكنا لهم فيها ما لم نمكن لكم ، ثم انظروا في أثناء كل رحلة من رحلاتكم آثار ما حل بهم من الهلاك ، وتأملوا كيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم ، وما تسمعون من أخبارهم . وانما قال « عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » ولم يقل « عاقبة المستهزئين » أو الساخرين - والكلام الأخير في هؤلاء لا في جميع المكذبين - لان للّه تعالى أهلك من القرون لاولى جميع المكذبين ، وان كان السبب المباشر للاهلاك اقتراح المستهزئين الآيات الخاصة على الرسل ، فلما أعطوها كذب بها المستهزئون المقترحون وغيرهم من الكافرين الذين كانوا مشغولين بأنفسهم ومعايشهم عن مشاركة كبراء مترفيهم بالاستهزاء والسخرية ، وإذا كان المكذبون قد استحقوا الهلاك وان لم يستهزءوا ولم يسخروا فكيف يكون حال المستهزئين والساخرين ؟ لا ريب انهم أحق بالهلاك وأجدر ، ولذلك أهلك اللّه المستهزئين من قوم نبي الرحمة ولم يجبهم إلى ما اقترحوه لئلا يعم شؤمهم سائر المكذبين معهم ، ومنهم المستعدون للايمان الذين اهتدوا من بعد ومن نكت البلاغة في الآية أنه قال فيها « ثُمَّ انْظُرُوا » وقد ورد الامر بالسير في الأرض والحث عليه في آيات أخرى من عدة سور وعطف عليه الامر بالنظر بالفاء ( راجع 99 من سورة النمل و 42 من سورة الروم و 109 من سورة يوسف و 44 من سورة فاطر الخ ) قال الزمخشري في نكتة الخلاف بين التعبيرين : ( فان « تفسير القرآن الحكيم » ( 41 ) « الجزء السابع »