الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كرؤية النبي ( ص ) لجبريل مرتين كان من خوارق العادات ، والخوارق لا تثبت الا بنص ، لأنها خلاف الأصل ، على أن رؤيته بصورته لا ينافي التشكل ، إذ يجوز أن تكون مادة صورته اللطيفة التي لا ترى قد ظهرت بمادة كثيفة فيكون التشكل في هذه الحالة بمادة جديدة مع حفظ الصورة الأصلية ، والتشكل في غيرها بالمادة والصورة معا ، على أن لأرواح الأنبياء من التناسب مع أرواح الملائكة ما ليس لغيرها ، ففي الحال التي تغلب بها روحانيتهم على جثمانيتهم يكونون كالملائكة فيجوز ان يروهم بأي صورة وشكل تجلوا لهم فيه هذا وان ما لا يرى قد يدرك بضرب من ضروب الادراك غير الرؤية فإذا كان الملك مخلوقا عاقلا عالما وكان في لطافته من قبيل الأرواح البشرية التي هي محل العلم والادراك في البشر فلم لا يجوز أن يكون لهذين النوعين من الأرواح الموجودة في هذا الكون نوع من الاتصال يقتبس به أحدهما من الآخر شيئا من العلم ، كما يقتبس البشر بعض العلم البشري من الجوّ إذ يبث الاخبار فيه بعضهم بالآلات الكهربائية ( المعروفة بالتلغراف اللاسلكي - أو الأثيري والهوائي ) ويقتبسها آخرون ؟ بل ثبت ان الأنفس البشرية يقتبس بعضها العلم من الموجودات - بشرا كانت أو غير بشر - بغير واسطة الحواس والاستنباط العقلي كما روى بعض الأطباء الماديين الذين كانوا ينكرون مثل هذا عن مريض كان يعالجه في القاهرة أنه قال إن فلانا - وذكر قريبا له في الإسكندرية - يريد أن يسافر الآن إلى مصر لأجل عيادتي ، ثم إنه عين القطار الحديدي الذي ركب فيه ثم الوقت الذي وصل فيه إلى محطة مصر ، ثم لم تكن الا مسافة سير المركبة بين المحطة ودار المريض الا وقد وصل هذا القريب ، وكان ينتظره لاستبانة المكاشفة ذلك الطبيب ، وروى عنه غير ذلك من المكاشفات ، ومثل هذا يقع كثيرا في كل عصر ، فلم لا يجوز أن يقتبس البشر العلم بمثل هذه المكاشفة عن الملائكة وأرواح البشر الميتين كما يقتبسونها من احياء البشر ومن غير البشر من الأشياء ؟ نقول إن هذا جائز عقلا ومرويّ نقلا ، ولكنه كغيره يتوقف على الفاعل والقابل ، فإذا تدبرنا ما ورد في الكتاب والسنة من خبر الوحي والالهام يظهر لنا منه