الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن الانسان ليس له سلطان على ملائكة السماء ، كسلطانه على ما في الأرض من أبناء جنسه وسائر الأشياء ، فلا يستطيع كل فرد من أفراده أن يدرك هؤلاء الملائكة ويقتبس منهم العلم شاؤوا أم أبوا ، ولكن بعض الأرواح البشرية قد تصل بطهارتها وعلو مكانتها إلى قابلية التلقي عن الملائكة ، لما بينها وبينهم من القرب والمناسبة ، وهذه القابلية نوعان ( أحدهما ) ما يختص به اللّه تعالى أنبياءه ورسله بدون سعي منهم ولا كسب ، فيؤهلهم لنبوته ورسالته ، وينزل عليهم الملائكة بالروح من أمره ، فلا القابل الذي يتلقى عن الملك يكون له كسب أو اختيار فيما يوحى اليه ، ولا الفاعل وهو الملك الذي ينزل بالوحي يكون له اختيار فيما يوحيه ، بل يفعل ما يأمره اللّه تعالى به ولا يستطيع ان يعصيه . ولكمال استعداد الأنبياء وعلو أرواحهم يرون الملائكة في صورهم الأصلية قليلا . ويتمثل الملك لهم بصورة البشر أو يلابسهم ملابسة روحية فيلقى في أرواحهم ما شاء اللّه ان يلقيه وهو الأكثر ، وهذا النوع قد ختم وتم ببعثة محمد خاتم النبيين ، عليه أفضل الصلاة والتسليم ، وما هو من شؤون البشر الكسبية ، فيبقى ببقائهم ( النوع الثاني ) ما يمنحه اللّه تعالى من التثبيت في الحق والالهام لمن دون الأنبياء من خيار خلقه الذين سلمت فطرتهم ، وصفت سريرتهم ، وزكت بالعمل الصالح أنفسهم ، حتى غلبت فيها الصفات الملكية ، على النزعات الحيوانية والنزغات الشيطانية ، فالأرواح البشرية العالية ، قد تقوى المناسبة بينها وبين الملائكة فتستفيد من أرواح الملائكة قوة في الخير والحق وثباتا على الصلاح والاصلاح ، ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) وقد تستفيد منها علما بالحق وبشارة بالخير ، وهو ما يسمى التحديث والإلهام ، ومنه بشارة الملائكة لمريم بعيسى عليه السّلام وتمثل جبريل لها عندما أراد اللّه ان تحمل بنفخه فيها ، وقد ثبت في الحديث الصحيح ان عمر بن الخطاب كان من المحدّثين ، وقد عبر عن ملك الالهام بأنه « واعظ اللّه في قلب كل مؤمن » في حديث النواس بن سمعان عند احمد والترمذي ، ويوضحه حديث ابن مسعود « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فايعاد بالخبر وتصديق