الشيخ محمد رشيد رضا

314

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم ، واقتراح نزول ملك على النبي يرونه بأعينهم ، ولولا قيد الرؤية لم يكن للاقتراح فائدة ، لأن النبي ( ص ) كان أخبرهم بأنه ينزل عليه الملك ، وكأنهم ظنوا ان مساواتهم له ( ص ) في البشرية تقتضي مساواته في الاستعداد لرؤية الملائكة وتلقي العلم عنهم ، وهذه أقوى شبهة للكفار على الوحي ، فإنهم لغرورهم بأنفسهم ينكرون كل ما لا يصلون اليه بأنفسهم وقد رد اللّه تعالى عليهم الاقتراحين من وجهين ( أحدهما ) أنه لو أنزل ملكا كما اقترحوا لقضي الامر باهلاكهم ثم لا ينظرون أي لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا بل يأخذهم العذاب عاجلا كما مضت به سنة اللّه فيمن قبلهم . قال ابن عباس في تفسير الآية : ولو أتاهم ملك في صورته لأهلكناهم ثم لا يؤخرون ، وقال قتادة يقول : لو أنزل اللّه ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب . ولكن قال مجاهد في قوله « لَقُضِيَ الْأَمْرُ » : أي لقامت الساعة . وذكر المفسرون في تفسير قضاء الامر هنا عدة وجوه ( 1 ) ان سنة اللّه في أقوام الرسل الذين قامت عليهم الحجة انهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم اللّه بالهلاك والاستئصال الذي تتولى تنفيذه الملائكة ، واللّه تعالى لا يريد ان يستأصل هذه الأمة ، التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة ، فالرحمة العامة تنافي هذا العذاب العام ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) ( 2 ) ان المراد انهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية كما يطلبون لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ( 3 ) ان رؤية الملك بصورته آية ملجئة يزول بها الاختيار الذي هو قاعدة التكليف - وهذا على قاعدة المعتزلة ، وعبارة الزمخشري في هذه المسألة من تعليلات قضاء الامر : واما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة فيجب إهلاكهم اه وهذا التفريع غير مسلم ( 4 ) انهم لما اقترحوا ما لا يتوقف عليه الايمان - إذ يتوقف على المعجز مطلقا وقد حصل لا المعجز الخاص الذي طلبوه - فإذا أعطوه كانوا على غاية الرسوخ في العناد المناسب للاهلاك وعدم النظرة . وأول هذه الأقوال أقواها وهو المختار . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في سورة الحجر ( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) أي ما كان شأننا الذي مضت به سنتنا أن ننزل الملائكة الا بالامر الحق وهو الرسالة للرسل أو العذاب للأمم