الشيخ محمد رشيد رضا
315
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذين يعاندون الرسل فيقترحون عليهم الآيات المخصوصة ويعلقون إيمانهم عليها ثم يصرون على جحودهم وكفرهم بعد ان يعطوها ، فلو نزلت الملائكة عليهم ما كانوا إذ تنزل الا هالكين لا ينظرون أي لا يمهلون لأجل ان يؤمنوا . وما كان اللّه ليهلك هذه الأمة ، ولا من أعدهم لهدايتها من قوم نبي الرحمة ، بإجابة اقتراحات أولئك المستكبرين المعاندين منهم ، وهم انما يقترحون الآيات ، لأجل التعجيز دون استبانة الاعجاز . وهو يعلم أنهم ان أعطوها ما كانوا بها مؤمنين ، وبذلك مضت السنة في أمثالهم من الغابرين ومن نكت البلاغة ما بينه الزمخشري من حكمة العطف بثم وهي إفادة ما بين قضاء الامر وعدم الانظار من البعد : جعل عدم الانظار أشد من قضاء الامر ، لان مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . * * * ( الوجه الثاني ) في الرد عليهم قوله تعالى وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي لو جعل الرسول ملكا لجعل الملك متمثلا في صورة البشر ، ليمكنهم رؤيته وسماع كلامه الذي يبلغه عن اللّه تعالى ، ولو جعله ملكا في صورة البشر لا عتقدوا أنه بشر لأنهم لا يدركون منه الا صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها ، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا ، ولا ينفكون يقترحون جعله ملكا ، وقد كانوا في غنى عن هذا ، وانما شأنهم فيه شأن أكثر الناس حتى العلماء منهم فيما يوقعون فيه أنفسهم من المشكلات بسوء اختيارهم ، وما يخترعونه من الشبهات بسوء فهمهم ، ثم يحارون في أمر المخرج منها . مادة ل ب س تدل على الستر والغطية . يقال لبس الثوب يلبسه ( بكسر الباء في الماضي وفتحها في المضارع ) وهو من الستر الحسي ، ويقال لبس الحق بالباطل يلبسه ( بفتح باء الأول وكسر باء الثاني ) بمعنى ستره به أي جعله مكانه ليظن انه الحق ، ولبست عليه أمره أي جعلته بحيث يلتبس عليه فلا يعرفه - وهذا كله من الستر المعنوي وقد علل جمهور المفسرين جعل الملك بصورة البشر في هذه الحالة بأن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة في صورتهم الأصلية ، وتقدم في تفسير الآية السابقة قول