الشيخ محمد رشيد رضا
313
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أرقى البشر عقلا وأخلاقا وآدابا وهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام ليسوا أهلا لأن يكونوا رسلا بين اللّه وبين عباده لأنهم بشر يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق - هذه شبهة المتقدمين منهم والمتأخرين : قال تعالى في هود وقومه ( 23 : 33 وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 34 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) وحكى تعالى مثل هذا عن غيرهم في هذه السورة ( سورة المؤمنين ) وفي غيرها . ومثل هذا التناقض والتضاد في حكم البشر لأنفسهم وعليها معهود في كل زمان وكل مكان ، فهم يرفعون أنفسهم تارة إلى ما هو أعلى من قدرها بما لا يحصى من الدرجات والمسافات البعيدة السحيقة ، ويهبطون بها تارة إلى ما هو دون استعدادها بما لا يعد من الدركات العميقة . يتسامون تارة للبحث في عالم الغيب من الأزل الذي لا يعرفون أوله ، إلى الأبد الذي لا يدركون نهايته ، وللكلام في كنه الخالق ، وفي كيفية صدور الوجود الممكن عن الوجود الواجب ، ويعترفون تارة بالعجز عن معرفة كنه أنفسهم ، والقصور عن الإحاطة بأنواع الجنة « 1 » التي تعيش في بنيتهم ، وتؤثر في جميع مواد معيشتهم من أطعمتهم وأشربتهم . يقولون تارة ان هذا الانسان سيد الأكوان ، ومصداق قول الغزالي : ليس في الامكان أبدع مما كان ، ويقولون تارة انه مظهر الظلم والخلل والفساد ، وانما يعظم أحدهم نفسه أو جنسه في مرآة نفسه ، ويحقر غيره أو نفسه متمثلة في مرآة جنسه ، ومن هذا الباب انكار الكفار لبعثة الرسل ، وكانوا تارة يكتفون بجعل البشرية علة للانكار كما ترى في سورة هود وإبراهيم والاسراء والمؤمنين ويس والقمر والتغابن - وتارة يصرحون بما في أنفسهم من الكبر واستثقالهم تفضيل الرسل على أنفسهم باتباعهم إياهم ، وعلى هذا بنوا اقتراح نزول الملائكة عليهم مباشرة أو على الرسل مؤيدة لهم كقول قوم نوح ( 23 : 24 ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) جمع مشركو مكة بين الاقتراحين - كما تقدم آنفا - اقتراح نزول الملائكة
--> ( 1 ) الاحياء الدقيقة التي لا ترى بالبصر المجرد المعروفة بالميكروبات