الشيخ محمد رشيد رضا
312
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبين المعجزات انما هو في اختلاف حال من تصدر الخوارق على أيديهم لا في كون آيات الأنبياء حقا وكون السحر باطلا ، والآية تبطل هذا القول ولا تقوم الحجة بها عليه ، إذ يكون معنى دفع المشركين حينئذ : ما هذا الكتاب الذي نزل على الوجه الذي اقترحنا الا خارقة من خوارق العادات لا ريب فيها ولكنها صدرت على يد ساحر فهي إذا من السحر ، لا على يد من ادعى النبوة حتى تسمى آية أو معجزة ، فيكون حاصله الطعن في شخص النبي ( ص ) وانكار ادعائه النبوة . وهذا المعنى مخالف للواقع على كون عبارة الآية تتبرأ من احتمال دنوه منها أو دخوله عليها من أحد الأبواب الثلاثة ( الحقيقة والمجاز والكناية ) ولعله لم يخطر على بال أحد يفهم العربية وان كان من شيعة ذلك المذهب الكلامي الذي فسر السحر بما ذكر خلافا لظواهر الكتاب والسنة ، فقد نص القرآن على أن السحر تخييل لما ليس واقعا ، وأنه كيد ومكر ، وأنه يتعلم تعلما ، والخوارق لا تكون بالتعلم ، وقال تعالى على لسان كليمه موسى ( ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) وقال في آية أخرى ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) فتعين أن يكون السحر باطلا لاحقا * * * وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ اقترح كفار مكة أن ينزل على الرسول ملك من السماء يكون معه نذيرا مؤيدا له أمامهم إذ يرونه ويسمعون كلامه كما في سورة الفرقان ( 25 : 7 ) وما هنا ، وما هنا حكاية لما هنالك فلذلك لم يقل « مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً » اكتفاء بما سبق . بل اقترحوا أيضا أن ينزل الملك عليهم بالرسالة من ربهم ، بل طلبوا أكبر من ذلك : طلبوا أن يروا ربهم ويخاطب كل واحد منهم بما يريد من إرسال الرسول إليهم ، كما في سورة الفرقان أيضا ( 25 : 21 ) وقد قال اللّه في هؤلاء ( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ) نعم ان هذا منتهى الكبرياء والعتو لأنه تسام واستشراف من أضل البشر وأسفلهم روحا إلى ما لم يصل اليه أعلاهم مقاما في هذه الحياة الدنيا ، وأما اقتراحهم نزول الملك على الرسول فهو مبني على ضد ما بني عليه طلبهم لنزول الملائكة عليهم أو رؤية ربهم - هو مبني على اعتقاد أن