الشيخ محمد رشيد رضا

311

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذين كفروا منهم كفر العناد والاستكبار : ما هذا الذي رأينا ولمسنا الا سحر بين في نفسه ، ثابت في نوعه ، وانما خيل الينا اننا رأينا كتابا ولمسناه ، وما ثم كتاب نزل ، ولا قرطاس رؤي ولا لمس . وكذلك قال أمثالهم في آيات الأنبياء من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا الكتاب في الأصل مصدر كالكتابة ويستعمل غالبا بمعنى المكتوب فيطلق على الصحيفة لمكتوبة وعلى مجموعة الصحف في مقصد واحد ، والقرطاس بكسر القاف ( وتفتح وتضم لغة ) الورق الذي يكتب فيه وقيل هو مخصوص بالمكتوب منه ، وقوله تعالى « في قرطاس » صفة له أو متعلق به . واللمس كالمس ادراك بظاهر البشرة كما قال الراغب وقال الجوهري المس باليد ، والصواب ان الأصل فيه المس بظاهر البشرة ولذلك يطلق بمعنى الوقاع كالملامسة ، ولكن لما كان أكثر اللمس باليد وقلما يقع بالقدم أو الساعد مثلا توهم انه خاص بمس اليد . وتقييد اللمس في الآية بالأيدي يعين المراد منه بدفع احتمال التجوز به ، إذ اللمس يستعمل مجازا بمعنى طلب الشيء والبحث عنه ، يقال لمسه والتمسه وتلمسه - بهذا المعنى ، ومنه ( وأنا لمسنا السماء الدنيا ) ويستلزم لمسه بالأيدي رؤيته بالابصار ؛ قال قتادة : فعاينوه ومسوه بأيديهم . وقال مجاهد : فمسوه ونظرو اليه . والرؤية واللمس أقوى اليقينيات الحسية وأبعدها عن الخداع ولا سيما إذا اجتمعا ، والثقة باللمس أقوى لان البصر قد يخدع بالتخيل . وقد قال تعالى في سورة الحجر ( وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) ولكن مكابرة الحس بعد اجتماع أقوى إدراكيه - وهما الرؤية واللمس - وتقوية أحدهما الآخر قلما يقع الا من جاحد معاند مستكبر أو من مقلد أعمى لا تتوجه نفسه إلى معرفة شيء يخالف ما تقلده من آبائه وقومه . وقال ابن المنير : الظاهر أن فائدة زيادة لمسه بأيديهم تحقيق القراءة على قرب أي فقرءوه وهو بأيديهم لا بعيد عنهم لما آمنوا . اه ولأول هو الظاهر المختار والآية تدل على أن السحر خداع باطل ، وتخييل يري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق ، ويقول بعض المتكلمين ان السحر من خوارق العادات ، وان الفرق بينه