الشيخ محمد رشيد رضا
310
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأبيّ بن خلف بن وهب والعاصي بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك - فأنزل اللّه في ذلك من قولهم « وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ » ولا تصح هذه الرواية في سبب نزول الآية ، وقد ذكرها السيوطي في الدر المنثور ولم يذكرها في ( لباب النقول في أسباب النزول ) واقتراح معاندي المشركين إنزال الملك مع الرسول ذكر في الفرقان وهود والاسراء ؛ وقد روي أن هذه السور الثلاث نزلت قبل الانعام ، والانعام نزلت جملة واحدة - على ما تقدم بيانه في أول تفسيرها - فما فيها من الرد عليهم في هذه المسألة انما هو رد على شبهة سبقت لهم وحكيت عنهم ، وكذلك اقتراح إنزال كتاب من السماء وإنزال القرآن جملة واحدة فهو في سورة الفرقان . * * * كان الرسول ( ص ) يتعجب من كفر قومه به وبما أنزل عليه مع وضوح برهانه ، وظهور اعجازه ، وكان يضيق صدره لذلك وينال منه الحزن والأسف كما قال تعالى في سورة هود ( 11 : 12 فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) وما في معناه - وكان اللّه عز وجل يبين له أسباب ذلك ومناشئه من طباع البشر وأخلاقهم واختلاف استعدادهم ليعلم ان الحجة مهما تكن ناهضة ، والشبهة مهما تكن داحضة ، فان ذلك لا يستلزم الايمان بما قامت عليه الحجة ، وانحسرت عنه غمة الشبهة ، الا في حق من كان مستعدا له ، وزالت موانع الكبر والعناد أو التقليد عنه ، فقوله تعالى وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ جاء بعد تلك الآيات البينات الواردة بأسلوب الحكاية وضمائر الغيبة مبينا هذا المعنى للرسول بأسلوب الالتفات إلى خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأنه يقول : قد علمت أن علة تكذيبهم بالحق انما هي اعراضهم عن الآيات ، وما أقفلوا على أنفسهم من باب النظر والاستدلال ، لاخفاء الآيات في نفسها ، ولا قوة الشبهات التي تحول دونها ، ألم تر ان آيات التوحيد في الأنفس والآفاق هي أظهر الآيات وأكثرها ، ولم يمنعهم من الكفر بها مبالغة الكتاب المعجز في تقريرها ، ولو اننا نزلنا عليك كتابا من السماء في قرطاس كما اقترحوا فرأوه نازلا منها بأعينهم ، ولمسوه عند وصوله إلى الأرض بأيديهم ، لقال