الشيخ محمد رشيد رضا

29

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيهما ، فإنه قال ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) فمن جعل شهوة بطنه أكبر همه فهو من المسرفين ، ومن بالغ في الشبع وعرض معدته وأمعاءه للتخم فهو من المسرفين ، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته ، وعرض نفسه لذل الدين أو أكل أموال الناس بالباطل ، فهو من المسرفين ، وما كان المسرف من المتقين الامر بالتقوى في هذا المقام أوسع معنى وأعم فائدة من النهي عن الاسراف في آية الأعراف التي أوردناها آنفا . فهو من باب الجمع بين حقوق الروح وحقوق الجسد . وبه يدفع إشكال من عساه يقول : ان الدين شرع لتزكية النفس ، والتمتع بالشهوات واللذات ، ينافي هذه التزكية وان اقتصر فيه علي المباحات ، وكم افضى التوسع في المباحات إلى المحرمات ؟ وقد ذكر تعالى أنه يقال في الآخرة لأهل النار ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) فكيف يكون الاستمتاع بالطيبات مطلوبا شرعا ؟ وكيف يحتاج فيه إلى أمر الشرع ، وهو مستغنى عنه باقتضاء الطبع ؟ وبيان الدفع ان تزكية الأنفس إنما تكون بإيقافها عند حد الاعتدال ، واجتناب التفريط والإفراط ، وقد خلق اللّه الانسان مركبا من روح ملكية وجسد حيواني ، فلم يجعله ملكا محضا ، ولا حيوانا محضا ، وسخر له بهذه المزية جميع ما في في عالمه الذي يعيش فيه من المواد والقوى والأحياء ، وجعل من سنته في خلقه أن تكون سلامة البدن وصحته من أسباب سلامة العقل وسائر قوى النفس . ولذلك حرم عليه ما يضر بجسده ، كما حرم عليه ما يضر بروحه وعقله . ومن ضعف جسده عجز عن القيام بالصلاة والصيام والحج والجهاد والكسب الواجب عليه للنفقة على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم ، وعلى مصالح أمته العامة . فإن لم يعجز عن القيام بها كلها ، عجز عن بعضها ، أو عن الكمال فيها غالبا . كما أنه يقل نسله ويجيء قميئا ضعيفا أو ينقطع البتة ، ويكون بذلك مسيئا إلى نفسه وإلى الأمة . والتمتع بالطيبات من غير اسراف ولا اعتداء لحدود اللّه وسنن فطرته هو الذي يؤدى به حق الجسد وحق الروح ، ويستعان به على أداء حقوق اللّه وحقوق خلقه ، فان صحبته التقوى فيه وفي غيره تتم به التزكية المطلوبة . لا ننكر مع هذا ان منع النفس من الشهوات المباحة أحيانا مما يستعان به على