الشيخ محمد رشيد رضا
30
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تزكية النفس وتربية الإرادة ، وحسبنا منه ما شرعه اللّه لنا من الصيام ، وهو مما يدخل في عموم التقوى في هذا المقام ، فإنه سبحانه وتعالى بين لنا ان حكمة الصيام وسبب شرعه كونه مرجوّا لتحصيل ملكة التقوى إذ قال ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) وقد بينا هذا بالتفصيل في تفسير هذه الآية من الجزء الثاني وفي مواضع أخرى . فالصيام رياضة بدنية نفسية ، وجمع بين حرمان النفس من لذاتها بقصد التربية ، وبين تمتيعها بها توسلا إلى شكر النعمة والقيام بالخدمة اما ما قيل من استغناء الناس بداعية الطبع عن امر الشرع بهذا التمتع ، فهو مدفوع بما أحدثه حب الغلو في كثير من الناس من الجناية على أبدانهم وعقولهم وأممهم بترك طيبات الطعام والنساء . واما ما يقال للكفار يوم القيامة ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ) فمعناه انهم جعلوا كل همهم من حياتهم الدنيا التمتع الجسدي ولو بالحرام ، فلم يعطوا انسانيتهم حقها بالجمع بينه وبين تقوى اللّه التي هي سبب النعيم الروحاني . وقد بين تعالى ذلك بقوله ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ) . فتبين مما شرحناه في تفسير الآيتين أن هدي القرآن في الطيبات أي المستلذات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال ، والتزام الحلال ، كهديه في سائر الأشياء التي يسرف فيها بعض الناس ويقصر بعض . والاعتدال هو الصراط المستقيم الذي يقلّ سالكه ، فأكثر الناس ينحرفون عنه في التمتع إلى جانب الإفراط والإسراف ، فيكونون كالانعام بل أضل لما يحنون به على أنفسهم ، حتى قال بعض الحكماء : ان أكثر الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم . يعني انهم لإسرافهم في الطعام يصابون بأمراض تكون سببا لقصر آجالهم ، وإسراع الهرم فيهم . والقليل من الناس ينحرفون عنه إلى جانب التفريط والتقصير ، إما اضطرارا كالمقترين البائسين ، وإما اختيارا كالزهاد المتقشفين ؛ والتزام صراط الاعتدال المستقيم أعسر وأشق على النفس ، وأدلّ على الفضيلة والعقل ، وكل حزب بما لديهم فرحون لا يخطر على بال المسرف أن يدعي أنه متبع هدي الدين في إسرافه ؛ وقصارى ما يعتذر به عن نفسه إذا عذل وعيب عليه إسرافه شرعا أن يدعي انه لم يتجاوز