الشيخ محمد رشيد رضا
303
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بين هذه الآية وما قبلها وعطفها عليها بفاء السببية ان يقال : إن إعراضهم عن آيات القرآن الدالة باعجازها على كونها من عند اللّه وعلى رسالة من أنزلت عليه - وبمعانيها على دلائل التوحيد والبعث ، وعلى أحكام الشرائع والآداب ، قد كان سببا ترتب عليه تكذيبهم بالحق الذي أنزل القرآن لبيانه وهو تلك المعاني التي هي دين اللّه عز وجل . وإذا فسر الحق هنا بالقرآن نفسه يكون المعنى انهم كانوا يعرضون عن كل آية من القرآن فكان ذلك سببا لتكذيبهم بالقرآن ، وان المعرض عنه والمكذّب به واحد ، ووجهه أبو السعود ، بضرب من تكلفه المعهود ، وقد يتخرج على القول بأن فاء السببية تأتي بمعنى لام العلة فتدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها ، وفي هذا القول مقال ، وفي التخريج عليه ما لا يخفى من الضعف ، ولكن يظهر ذلك على القول بأن الآيات التي شأنهم الاعراض عنها هي دلائل الأكوان أو المعجزات مطلقا ، إذ يقال حينئذ في تقدير الربط - : ان كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية ، وأظهر دلالة ، وهو الحق الذي تحدّوا به ، فعجزوا عن الاتيان بسورة من مثله ، وقد علمت أن المختار في الآيات الأول . وقيل إن الحق هنا هو النبي ( ص ) قاله ابن جرير الطبري ؟ وقيل الوعد والوعيد فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي فعاقبة هذا التكذيب انه سوف يحل بهم مصداق الاخبار العظيمة الشأن مما كانوا يستهزءون به من آيات القرآن . والمراد بهذه الانباء ما في القرآن من الوعد بنصر اللّه لرسوله واظهار دينه ووعيد أعدائه بتعذيبهم وخذلانهم في الدنيا ثم بهلاكهم في الآخرة . وقد أتاهم ذلك فكان من أوائله ما نزل بهم من القحط ، وما حل بهم في بدر ، ثم تمّ ذلك في يوم الفتح ، وقد دلت الآية على ما جاء مصرحا به في سور أخرى من استهزاء مشركي مكة - والكلام فيهم - بوعد اللّه ووعيده ، وكذا بآياته ورسله ، ولا حاجة إلى تقدير ذلك في الكلام ، فهو وان لم يقدر من بدائع ايجاز القرآن ، وقد تكرر في القرآن ذكر استهزائهم واستهزاء من قبلهم من الكفار بالرسل وبما جاءوا به من الوعد والوعيد ، وانذارهم عاقبة هذا الاستهزاء في آيات ، وبيان نزول العذاب بهم في آيات أخرى كقوله ( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) * وهو في سورة