الشيخ محمد رشيد رضا

304

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هود والنحل والأنبياء والزمر وأكثر الحواميم . جاء الوعيد على الاستهزاء هنا بحرف التسويف ، وجاء في آيتين مثل هاتين الآيتين في أول الشعراء بحرف التنفيس ، وذلك قوله تعالى ( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) وقد حذف هنا معمول كذبوا ، وذكر السيد الآلوسي في روح المعاني تعليل ذلك بما نصه : وفي البحر انما قيد الكذب بالحق هنا وكان التنفيس بسوف وفي الشعراء « فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ » بدون تقييد الكذب ، والتنفيس بالسين ، لأن الانعام متقدمة في النزول على الشعراء ، فاستوفي فيها اللفظ ، وحذف من الشعراء وهو مراد إحالة على الأول ، وقد ناسب الحذف الاختصار في حرف التنفيس فجيء بالسين اه أقول ويحسن أن يزاد على ذلك أنه لما كان فعل الاستقبال المقرون بسوف أبعد زمانا من المترون بالسين تعين الأول فيما نزل أولا والثاني فيما نزل آخرا . وقال الرازي في تفسير الآية : اعلم أن اللّه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب ( فالمرتبة الأولى ) كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات . ( والمرتبة الثانية ) كونهم مكذبين بها ، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، لان المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به ، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له ، فإذا صار مكذبا به فقد زاد على الإعراض ( والمرتبة الثالثة ) كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكليبه به إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار ، فبين تعالى ان أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب . اه وفي هذه الآيات عبرة لنا في حال الذين أضاعوا الدين ، من أهل التقليد الجامدين ، وأهل التفرنج الملحدين ، فهي تنادي بقبح التقليد ، وتصرح بوجوب النظر في الآيات والاستدلال بها ، وبأن التكذيب بالحق والحرمان منه معلول للاعراض عنها ، وتثبت ان الاسلام دين مبني على أساس الدليل والبرهان ، لا كالاديان المبنية على وعث التقليد للأحبار والرهبان أو الرؤساء والكهان ، وما ذا فعل المسلمون بعد هذا التبيان ؟ اتبع جماهيرهم سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ،