الشيخ محمد رشيد رضا

298

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا وان من تتبع ذكر الاجل المسمى في القرآن في سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد في عمر الانسان الذي ينتهي بالموت فراجع في ذلك سورة هود 11 : 3 والنحل 16 : 61 وطه 20 : 27 والحج 22 : 5 والعنكبوت 29 : 53 وفاطر 35 : 45 والزمر 39 : 39 وغافر 40 : 67 ونوح 71 : 4 وقد ذكر بعضها آنفا فإذا عد هذا مرجحا يتسع مجال تأويل الاجل الأول في الآية وهو الذي لم يوصف بالمسمى ، فيحتمل ما تقدم من أنه النوم وغير ما تقدم من الأقوال التي قالها مفسرو الخلف ومنها ما عزاه الرازي إلى حكماء الاسلام من « أن لكل مسلم أجلين أحدهما الآجال الطبيعية والثاني الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني ، وأما الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بسبب من الأسباب العارضة كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة » اه ومنها انه ما انقضى من عمر كل أحد ، ومنها قول أبي مسلم انه ما انقضى من آجال الأمم الماضية ، والمسمى عنده أجل من يأتي من الأمم لأنه لا يزال غيبا ومعنى مسمى عنده أي لا يعلمه غيره ، كذا قالوا وهذا انما يظهر إذا أريد بهذا الاجل الساعة أي القيامة ، لأنها هي التي لم يطلع عليها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا . واما إذا أريد به الموت فالأظهر ان يكون معنى كونه مسمى عنده أنه مكتوب عنده في الكتاب الذي كتب به مقادير السماوات والأرض وفيما يكتبه الملك عندما ينفخ الروح في الجنين كما ثبت في حديث الصحيحين « ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد » فمعنى العندية إذا اختصاص ذلك بالعالم العلوي الذي لا يصل اليه كسبنا ، فهي عندية تشريف وخصوصية . وهذه الكتابة كالعلم الإلهي بالشيء لا تقتضي الجبر ولا سلب اختيار العبد ، كما بيناه في مواضع كثيرة وقوله تعالى « ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ » هو كقوله قبله « ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » في دلالته على استبعاد الامتراء وهو الشك في البعث من الاله القدير الذي خلقكم وقدر آجالكم فدل ذلك على قدرته وحكمته دلالة لا تبقي لاستبعاد البعث وجها ، فإذا كان سبب الاستبعاد عدم رؤية مثال لهذا البعث - وهو الواقع - فمثله انكم لا ترون مثلا لخلق أصلكم وجدكم الأول من تراب ولا لخلق غيركم من