الشيخ محمد رشيد رضا

28

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والترمذي وغيرهم . وفي الحديث تعريض بالعباد وأهل السياحة من الأمم السالفة الذين كانوا يرون ان روح العبادة التقشف والشعوثة ، حتى إنهم على تقشفهم ما كانوا يتحرون الحلال كأنهم يرون التقشف وتعذيب النفس يبيحان لهم ما عداهما ، فيكونون أهلا لاستجابة دعائهم . واستدل بعضهم بالحديث على كون المراد بالطيبات الحلال ، ميلا إلى ذلك المذهب البرهمي ، بل زعم بعضهم مثل ذلك في الآيات التي قرنت الحلال بالطيب فجعلوا الطيب تأكيدا للحلال ؟ ! فامتثال هذا الامر وذلك النهي معا لا يتحقق الا بالتمتع بما يتيسر من الطيبات فعلا بلا تأثم ولا حرج . بل ينبغي للمؤمن ان يكون طيب النفس بذلك ، ملاحظا انه من نعمة اللّه وفضله ، ومن أسباب مرضاته ومثوبته ، وأن مرضاته ومثوبته عليه تكون على حسب شهود المنتفع للنعم وشكره للمنعم ، وأعني بالشهود ان يحضر قلبه انه عامل بشرع اللّه ، ومقيم لسنة فطرته التي فطر الناس عليها ، وأنه يجب ان يشكر له ذلك بالاعتراف والحمد والثناء ، كما شكره بالاعتقاد والاستعمال ، وبذلك يكون عاملا بالكتاب والحكمة . فعلم مما شرحناه ان امتناع امرئ من الطيبات التي رزقه اللّه إياها ، مع الداعية الفطرية للاستمتاع بها ، إثم يجنيه على نفسه في الدنيا . ويستحق به عقاب اللّه في الآخرة ، بزيادته في دين اللّه قربات لم يأذن بها اللّه ، وبما يترتب على ذلك من إضاعة بعض حقوق اللّه وحقوق عباد اللّه . كإضاعة حقوق امرأته أو عياله . وناهيك به إذا انتصب قدوة لغيره ، فكان سببا لغلوّ بعض الناس في الدين وتحريمهم على . أنفسهم وعلي من يقتدي بهم ما أحله اللّه تعالى . والتحريم والتحليل تشريع ، وهو حق من حقوق الربوبية ، فمن انتحله لنفسه كان مدعيا للربوبية أو كالمدعي لها . ومن اتّبع في ذلك فقد اتخذ ربا ، كما يؤخذ من تفسير النبي ( ص ) لقوله تعالى ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وسيأتي في موضعه من التفسير وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ في الاكل وغيره فلا تفتاتوا عليه في تحريم ولا تحليل ، ولا تعتدوا حدوده فيما أحل ولا فيما حرّم ، فان اتقاء سخطه في ذلك من لوازم إيمانكم به . ومن اعتداء حدوده في الاكل والشرب الاسراف