الشيخ محمد رشيد رضا

293

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المتكاثفة والنور من النار ( وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً « 1 » أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ) اه وقد أخذه الرازي من غير عزو وزاد عليه قوله : وانما حسن لفظ الجعل هنا لان النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر . اه وقال أبو السعود : والجعل هو الانشاء والابداع كالخلق خلا أن ذلك مختص بالانشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية ، وهذا عامّ له - كما في الآية الكريمة - وللتشريعي أيضا كما في قوله تعالى ( ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ) الآية . اه المراد منه . وفيه كلام آخر فيما يلابس مفعوله من الظروف . وقد بينا في تفسير قوله تعالى ( 5 : 100 جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) ان الجعل فيها خلقي تكويني وأمري شرعي معا . وقد بين الراغب في مفرداته وجوه استعمال الجعل فكانت خمسة فليراجعها في مفرداته من شاء . والظلمة الحالة التي يكون عليها كل مكان ليس فيه نور ، لا عدم النور - أي فقده - كما يوهمه كلام كثير من العلماء مع قولهم ان الظلمة هي الأصل كما سيأتي ، قال الراغب : الظلمة عدم النور . وقال النور الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار ، وقال : الضوء ما انتشر من الأجسام النيرة ، ويقال ضاءت النار وأضاءها غيرها . اه وفرق بعضهم بين الضياء والنور بما لا محل لذكره هنا . ولا يوجد شيء في العالم أظهر من النور والضوء ولا أغنى عن التعريف ، وحسبك انه هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره من المبصرات ، فهو أعظم المظاهر الحسية للرب تبارك وتعالى . على أن بيان حقيقته العلمية من أعسر الأمور ، وكثيرا ما كان الخفاء من شدة الظهور ، وأقرب ما نعرفه به للجمهور ان نقول هو اشتعال يحدث في أجسام لطيفة منبثة في الهواء وفي الأجسام الكثيفة التي تستوقد بها النار والنور قسمان حسي صوري وهو ما يدرك بالبصر ، ومعنوي عقلي أو روحي وهو ما يدرك بالبصيرة ، وقد أطلقت كلمة النور في التنزيل على القرآن ، وعلى النبي عليه الصلاة والسّلام ، كما تقدم في سورتي النساء والمائدة . وقد أفرد النور وجمعت الظلمة هنا وفي كل آية قوبل فيها بين النور والظلام سواء كان ذلك في الحسي أو المعنوي . بل لم يذكر النور في القرآن الا مفردا والظلمة الا

--> ( 1 ) في الأصل : وجعلناكم أزواجا . ولا يوجد هذا اللفظ في القرآن فصححناه بأقرب ما يحتمله