الشيخ محمد رشيد رضا
294
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جمعا ، وحكمة ذلك ان النور شيء واحد وان تعددت مصادره ولكنه يكون قويا ويكون ضعيفا ، وأما الظلمة فهي تحدث بما يحجب النور من الأجسام غير النيرة وهي كثيرة جدا ، وكذلك النور المعنوي شيء واحد في كل نوع من أنواعه أو جزئي من جزئياته ، ويقابل كلا منها ظلمات متعددة ، فالحق واحد لا يتعدد والباطل الذي يقابله كثير ، والهدى واحد لا يتعدد والضلال الذي يقابله كثير ، مثال ذلك توحيد اللّه تعالى وما يقابله من التعطيل والشرك في الألوهية بأنواعه والشرك في الربوبية بأنواعه ، - وفضيلة العدل وما يقابلها من أنواع الظلم . وقد بينا ذلك في تفسير سورتي البقرة والمائدة . وقدمت الظلمات في الذكر على النور لان جنسها مقدم في الوجود فقد وجدت مادة الكون وكانت دخانا مظلما - أو سديما كما يقول علماء الفلك - ثم تكونت الشموس بما حدث فيها من الاشتعال من شدة الحركة كما يقولون ، ويشير اليه أو يؤيده حديث عبد اللّه بن عمرو عند احمد والترمذي « إن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره - وفي رواية ثم ألقى عليهم من نوره - فمن أصابه نوره اهتدى ومن أخطأه ضل » والظاهر أن هذا النور هو المعنوي من حيث إنه مشبه بالنور الحسي في تكوينه . وأما حديث عائشة عند مسلم « خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم » فالظاهر أن النور فيه هو الحسي ، ولا يقتضي ذلك أن ترى الملائكة كما يرى النور فالفرق بين الشيء وما خلق منه أصله عظيم كما نراه في أنفسنا . ويجوز أن يكونوا من نور غير هذا الذي نراه بأعيننا . وسبق الظلمات المعنوية للنور المعنوي أظهر ، فان نور العلم والهداية كسبي في البشر ، وما كان غير كسبي في ذاته كالوحي فتلقيه كسبي وفهمه والعمل به كسبيان ، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور ، فالرسول لا يولد رسولا وانما يؤتى الرسالة إذا بلغ أشده واستوى ، والعالم لا يولد عالما ولا الفاضل فاضلا « انما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم » ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وقد اختلف مفسرو السلف في المراد من الظلمات والنور هنا فأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس : « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » قال الكفر والايمان . وأخرج هو وغيره