الشيخ محمد رشيد رضا

290

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لظرف الزمان ، ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ، ثم خلق النوم واليقظة والموت ، ثم أكثر عز وجل في أثناء السورة من الانشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفلق الاصباح وفلق الحب والنوى وانزال الماء واخراج النبات والثمار بأنواعها وانشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن « وذكر عليه الرحمة وجها آخر في المناسبة أيضا وهو انه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) الخ وذكر جل شأنه بعده ( ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ) الخ فأخبر عن الكفار انهم حرموا أشياء مما رزقهم اللّه تعالى افتراء على اللّه عز شأنه ، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا من ذلك فيشابهوا الكفار في صنعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الايجاز - ساق جل جلاله هذه السورة لبيان حال الكفار في صنعهم فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل ، ثم جادلهم فيه وأقام الدلائل على بطلانه وعارضهم وناقضهم ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة ، فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته تلك السورة من ذلك على سبيل الاجمال وتفصيلا وبسطا واتماما واطنابا ، وافتتحت بذكر الخلق والملك لان الخالق المالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعا وتحريما وتحليلا ، فيجب أن لا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه ، « ولهذه السورة أيضا اعتلاق من وجه بالفاتحة لشرحها اجمال قوله تعالى ( رَبِّ الْعالَمِينَ ) * وبالبقرة لشرحها اجمال قوله سبحانه ( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) وقوله عز اسمه ( الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله جل وعلا ( وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ) وقوله تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) * الخ وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات ، وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها ، « وقد يقال إنه لما كان قطب هذه السورة دائرا على اثبات الصانع ودلائل التوحيد حتى قال أبو إسحاق الأسفرايني ان في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد ناسبت تلك السورة من حيث إن فيها ابطال ألوهية عيسى عليه الصلاة والسّلام وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطل