الشيخ محمد رشيد رضا
285
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن غير واحد من الصحابة والتابعين - ففي الاتقان انه أخرجه أبو عبيد والطبراني عن ابن عباس ، والطبراني من طريق يوسف بن عطية - وهو متروك - عن ابن عمر مرفوعا وعن مجاهد وعطاء ، وفي كل رواية من هذه الروايات انها نزلت يشيعها سبعون ألف ملك إلا أثر مجاهد فإنه قال فيه خمسمائة ملك . قال السيوطي فهذه شواهد يقوي بعضها بعضا . ثم نقل عن ابن الصلاح انه روى ذلك من طريق أبي ابن كعب بسند ضعيف وقال : ولم نرله اسنادا صحيحا وقد روي ما يخالفه فروي انها لم تنزل جملة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها فقيل ثلاث وقيل ست وقيل غير ذلك . اه وعزاه في الدر المنثور إلى آخرين أخرجوه أيضا عمن ذكر وعن أنس وأبي بن كعب مرفوعا وعن ابن مسعود وأسماء بنت يزيد وأبي جحيفة وعلي المرتضى ، فكثرة الروايات في مسألة لا مجال فيها للرأي فتكون اجتهادية ، ولا للهوى فتكون موضوعة ، ولا لغلط الرواة فتكون معلولة - لا بد ان يكون لها أصل صحيح ونقول إنه لم يرو أحد انها لم تنزل جملة واحدة بهذا اللفظ المناقض لتلك الروايات المصرحة بنزولها جملة واحدة كحديث ابن عمر « نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك » وانما مراد ابن الصلاح بذلك ما روي من استثناء بعض الآيات وقد علمت أنه ليس فيه نص صحيح صريح يدل على ذلك ، فرواية نزولها جملة واحدة أرجح بموافقتها للأصل وبكونها مثبتة وروايات الاستثناء نافية والمثبت مقدم على النافي . وقد جمع بينهما من قال إنها نزلت جملة واحدة واستثنى كابن عباس [ والاستثناء معيار العموم ] . وإذ كان ما صححه السيوطي من استثناء ثلاث آيات عن ابن عباس هو ما رواه ابن النحاس عنه في ناسخه فقد انحلّ الاشكال فان نص عبارته : سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة فهي مكية الا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ) إلى تمام الآيات الثلاث . اه فقد صح بهذه الرواية إذا أن هذه السورة الطويلة نزلت جملة واحدة ، وهذا نص توقيفي عرف أصله المرفوع فهو لا يحتمل التأويل ، على أن استثناء الآيات الثلاث فيه يحتمل التأويل كما تقدم ، وابن عباس لم يكن بمكة ممن يحفظ القرآن ويروي الحديث فإنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين أو خمس وانما روي