الشيخ محمد رشيد رضا
286
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذلك عن غيره فيحتمل ان يكون الاستثناء من رأيه أو رأي من روى هو عنه ، وان يكون مرويا عنه بالمعنى ويكون بعض الرواة هو الذي عبر بالاستثناء . وإذا كان هذا الاستثناء صحيحا فقصاراه أن السورة بعد أن أنزلت جملة واحدة ألحق بها ثلاث آيات مما نزل بالمدينة ، فبطل بذلك ما قد يتوهم من كلام ابن الصلاح وما يظنه كثير من الناس من أنه لم ينزل شيء من السور الطوال ولا سور المئين جملة واحدة لان ما اشتهر نزوله جملة واحدة غير هذه السورة كله من المفصل [ وسور المفصل من ق أو الحجرات إلى آخر المصحف في الأشهر ] . وقد روى أبو هريرة ما يدل على أن قوله تعالى ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) نزل بالمدينة وقد ثبت عن ابن عباس أنه نزل بمكة وأنه لما جمع النبي ( ص ) بطون قريش وأنذرهم عملا بالآية قال له أبو لهب تبت يداك سائر اليوم ألهذا دعوتنا - فأنزل اللّه عز وجل ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ) السورة ، وانما يروى ابن عباس وأبو هريرة مثل هذا مرسلا إذ لم يكن لهما رواية مرفوعة الا بعد الهجرة بسنين . وقد صرح الحافظ ابن حجر في الفتح بأن روايتهما لنزول آية ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ ) مرسلة وكلتاهما في البخاري وقد مال السيد الآلوسي في روح المعاني إلى القول بضعف ما ورد في نزول الانعام جملة واحدة ونقل عن الامام حكاية الاتفاق على القول بنزولها جملة وانه استشكل ذلك بأنه كيف يمكن ان يقال حينئذ في كل واحدة من آياتها ان سبب نزولها الامر الفلاني مع أنهم يقولونه . ثم أشار إلى ضعف حكاية الامام الاتفاق ويمكن ان يدفع الإشكال ( أولا ) بأنه لم يقل أحد بأن لكل آية من آيات هذه السورة سببا وانما قيل ذلك في زهاء العشر من آياتها ( وثانيا ) ان ما قيل في أسباب نزول تلك الآيات بعضه لا يصح والبعض الآخر لا يدل على نزول تلك الآيات متفرقة ، وانما قالوا إن آية كذا نزلت في كذا أو في قول المشركين كيت وكيت . وهذا هو الأكثر ، فإذا صح كان معناه ان تلك الآيات نزلت بعد تلك الوقائع والأقوال مبينة حكم اللّه فيها ، وهذا لا ينافي نزولها دالة على ذلك في ضمن السورة وقال الإمام الرازي في أول تفسيره لهذه السورة : قال الأصوليون هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة - أحدهما انها نزلت دفعة واحدة ، والثاني انها