الشيخ محمد رشيد رضا

281

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهي أنهم بشر ممن خلق اللّه ، لا مزية لهم على سائر البشر في أنفسهم وذواتهم ، لان البشر انما يمتاز بعضهم على بعض بالعلوم الصحيحة والاخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ، لا بالنسب والانتماء إلى الأنبياء والصالحين وان كانوا مخالفين لهم في هدايتهم وذكر من جزائهم على سوء أعمالهم في الدنيا إلقاء العداوة والبغضاء بينهم ، وأنه يعذبهم في الدنيا بذنوبهم الشخصية والقومية كغيرهم ، وان ذلك يدحض دعواهم انهم أبناء اللّه وأحباؤه ، ودعاهم كافة إلى الاسلام ، والايمان بخاتم الرسل عليه الصلاة والسّلام ، الذي بين لهم حقيقة دينهم الذي كان عليه سلفهم ، ودحض ما زادوا فيه بالبرهان ، وبين بعض ما كانوا يخفون أو يجهلون منه أحسن بيان ووصف التوراة والإنجيل أحسن وصف ، وذكر من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق ، ومن أحكامها عقوبات القتل واتلاف الأعضاء والجروح ، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين ، وبين ان الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس ، وانهم لو كانوا أقاموهما لكانوا في أحسن حال ، ولسارعوا إلى الايمان بما أنزله اللّه على خاتم رسله مصدقا لأصلهما ، ومبينا لما طرأ عليهما ، ومكملا لدين الأنبياء جميعا ، على سنة اللّه في النشوء والارتقاء ، التي هي أظهر في البشر منها في سائر الأشياء ، ولكنهم اتخذوا الاسلام هزؤا ولعبا في جملته وفي صلاته ، ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه ، فنهى اللّه المؤمنين عن موالاتهم ومما جاء في اليهود خاصة نعيا عليهم وبيانا لسوء حالهم - انهم نقضوا ميثاق اللّه الذي أخذه عليهم في كتابهم ونسوا حظا عظيما مما ذكروا به ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، وتركوا الحكم بالتوراة وأخفوا بعض أحكامها ، وحكموا الرسول ولم يرضوا بحكمه الموافق لها ، وان من صفاتهم الغالبة عليهم قساوة القلب ، والخيانة والمكر والكذب وقول الاثم ، والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت ، والسعي بالفساد في الأرض ، وفي ايقاد نار الفتن والحرب ، وانهم كانوا يقتلون الأنبياء والرسل بغير حق ، وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم اللّه بالتيه في الأرض ، وانهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين ، حتى أنهم يوالون عليهم المشركين ، بسبب ما ورثوه من تلك الصفات عن الغابرين . وذكر انه عاقبهم على « تفسير القرآن الحكيم » « 36 » « الجزء السابع »