الشيخ محمد رشيد رضا

282

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل ، وبالغضب والمسخ ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبله تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم ، ومن المعلوم انها لم تكن عاملة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ، فقد أنصفهم الحكم العدل في هذه السورة وغيرها بالحكم على الكثير منهم أو على أكثرهم ، ومنه قوله في هذه السورة ( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) وبينا في هذا الموضوع ما كان بعد النبي ( ص ) من مساعدة اليهود للمسلمين في الشام والأندلس ومما جاء في النصارى . خاصة انهم نسوا - كاليهود - حظا مما ذكروا به ، وانهم قالوا إن اللّه هو المسيح بن مريم ، وقالوا إن اللّه ثالث ثلاثة ، ورد عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية ، وببراءة المسيح منها ومن منتحليها يوم القيامة ، وبين لهم حقيقة المسيح وانه عبد اللّه ورسوله وروح منه ، وما أيده به من الآيات ، وحال حواريه وتلاميذه في الايمان . وبين انهم أقرب الناس مودة للمؤمنين ، ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) فليراجع تفسير ذلك في أول الجزء السابع وجملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند اللّه تعالى لامن عند محمد بن عبد اللّه العربيّ الاميّ الذي لم يقرأ شيئا من تلك الكتب ، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه ، وانما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر - ولا سيما الذين ناصبوا الاسلام العداء عند ظهوره - بأشد الاحكام وأقساها . ولكنه تنزيل من حكيم حميد ، أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل ، والحكم بينهم بالقسط ، وحكم بحل مؤاكلتهم ، وتزوج نسائهم ، وقبول شهادتهم ، والعفو والصفح عنهم ، وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم نزلت بعد إظهار اليهود للنبي ( ص ) والمؤمنين منتهى العداوة والغدر ، وبعد أن ناصبوه مع المشركين الحرب ، وهي تتضمن تأليف قلوبهم ، واكتساب مودتهم ، ( راجع ص 195 ج 6 ) وقد ختم اللّه تعالى السورة بذكر الجزاء في الآخرة بما يناسب أحكامها كلها ،