الشيخ محمد رشيد رضا

271

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى اللّه وترك التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذا ختم الكلام بقوله ( فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يعني أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية . وقوله ان اللّه لا يغفر الشرك ( « * » فنقول : ان غفرانه جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة ، قالوا لان العقاب حق اللّه على المذنب وفي اسقاطه منفعة للمذنب وليس في اسقاطه على اللّه مضرة فوجب أن يكون حسنا . بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجودا في شرع عيسى عليه السّلام اه بحروفه وهذا الوجه مخالف للمعقول والمنقول من نصوص القرآن وصحاح الأحاديث من عدة وجوه لا حاجة في هذا الموضع إلى تفصيلها « 1 » وترجيح مذهب السلف وأهل الأثر بها على مذهب الأشاعرة في موضوع اثبات العدل والحكمة للّه تعالى - لا عليه - وتنزيهه عن ضدهما ، ولا إلى بيان كون العدل والحكمة لا يعقل أن يتحققا فيمن لا فرق في أفعاله بين الاضداد ، بحيث يكون الضدان عنده في الحسن والعدل والحكمة سواء ، ولكننا نقول : ان حاصل هذا الوجه ان عيسى عليه السّلام يجيز ويستحسن الغفران للمشركين من قومه ، بناء على أنه حسن معقول في نفسه ، وأنه لا يوجد مانع يمنع منه في شرعه . وهذا يخالف نص قوله تعالى المتقدم في هذه السورة ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) ثم إن هذا الوجه يقتضي اختلاف دين اللّه الواحد ، في هذا الأصل من أصول العقائد ، وأن تكون ملة محمد ( ص ) أبعد من ملة عيسى عن رحمة اللّه ومغفرته ! والنصوص تدل على أنها أجدر من غيرها بهذه السعة ، ومنها مسألة غفران الشرك لو كان مما يشرعه اللّه ويرضاه ، لان من جاء بها هو الذي خاطبه

--> ( * ) كذا في نسختنا المطبوعة ولعل الأصل : وقوله ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * والا فهو حكاية لقول اللّه تعالى بمعناه ( 1 ) تقدم شيء من ذلك في ص 383 ج 6 تفسير