الشيخ محمد رشيد رضا

272

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه تعالى بقوله ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) وقال فيه انه يضع عن اليهود والنصارى إصرهم والاغلال التي كانت عليهم وأما الوجه الثالث من أجوبته فمبني على جواز توبة من قالوا ذلك الكفر ، وهو بديهي البطلان ، ولو صح لقيل ان المعهود في القرآن أن تقرن المغفرة للتائبين بذكر المغفرة والرحمة لا بذكر العزة والحكمة . وأما الوجه الرابع فهو مبني على ما روي عن السدي مخالفا للجمهور من أن هذا السؤال والجواب في الآيات كانا بعد رفع عيسى إلى السماء ( قال في تصويره ) : يعني ان توفيتهم على الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك ، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الايمان وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضا ذاك ، وعلى هذا التقدير فلا اشكال اه وأقول : إن هذا لوجه أضعف من الوجه الذي قبله فجميع ما أورده الرازي من الوجوه ضعيف . وما كان ليخفى ضعفها بل سقوطها وبطلان كثير من مسائلها على ذكائه النادر ، واطلاعه الواسع ، لولا عصبية المذاهب . ولكن قوله في أثناء شرح الوجه الثاني : ان مقصد عيسى عليه السّلام من كلامه تفويض الامر إلى اللّه عز وجل هو الحقّ المبين ، وقد هدانا اللّه تعالى إلى تفسيره وشرح نكتة البلاغة فيه بأوضح تبيين . وقد علم مما بيناه أن كلام عيسى عليه السّلام لا يتضمن شيئا من الشفاعة لقومه ، ويؤيد هذا عدة أحاديث ( منها ) حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم أن النبي ( ص ) تلا قول اللّه تعالى في إبراهيم ( ص ) [ رب انهن أضللن كثيرا فمن تبعني فإنه مني ] - الآية ، وقول عيسى عليه السّلام [ ان تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ] فرفع يديه وقال « اللهم أمتي أمتي » وبكى فقال اللّه عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله : ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول اللّه ( ص ) بما قال - وهو أعلم - فقال اللّه « يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك » ( ومنها ) حديث ابن عباس في صحيح البخاري قال فيه : « ألا وانه يجاء برجال من أمتي يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي ، فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا