الشيخ محمد رشيد رضا
270
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو تعريضا بحكمه جل وعز ، وحاشا لعيسى عليه الصلاة والسّلام من ذلك ولما غفل من غفل من المفسرين عن هذا مع تصريح بعضهم بأن الكلام في تفويض الامر إلى اللّه تعالى استشكلوا العبارة ، وحاروا فيما فهموه من دلالتها على جواز غفران الشرك ، وطفقوا يتلمسون النكتة لترتيب الغفران على صفتي العزة والحكمة ، دون ما يتبادر من ترتيبه على صفتي المغفرة والرحمة ، واستنجدوا مذاهبهم الكلامية في ذلك فانجدت مفسري الأشعرية ، بما استطالوا به على مفسري المعتزلة ، فقالوا ان المعنى ان تعذبهم فإنهم عبيدك والمالك يتصرف بعبيده كما يشاء فلا يسئل ولا يعترض عليه وان عذب أكملهم ايمانا واسلاما واحسانا ، وقال بعضهم ان المراد فإنهم عبيدك الأرقاء في أسر ملكك ، الضعفاء العاجزون عن الامتناع من عقابك ، وان تغفر لهم ما كان من شركهم وكفرهم وما يتبعه من سوء أعمالهم فإنك أنت القوي القادر على ذلك الحكيم فيه من حيث إن المغفرة مستحسنة لكل مجرم . قاله أبو السعود . وقال الآلوسي : والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجه حكمة ، لان المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول ، بل متى كان المجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن لأنه أدخل في الكرم ، وان كانت العقوبة أحسن في حكم الشرع من جهات أخر ، اه وظاهر هذا ان حكم الشرع في هذا الأصل من أصول الدين على خلاف المعقول ، وليس كذلك وأجاب الرازي عن الاشكال الموهوم بأربعة وجوه ( أحدها ) ان ما ذكر في سؤال اللّه لعيسى يعلم منه ان قوما من النصارى حكوا عنه ما هو كفر - وحاكي الكفر ليس بكافر بل مذنب بكذبه في هذه الحكاية فلهذا المعنى طلب المغفرة له وهذا وجه أملاه عليه ما اعتاد من الجدل في الالفاظ وهو غافل عن حال من حكى اللّه عنهم ذلك القول ، وهو انهم يدعون ألوهية المسيح ويعبدونه ويعبدون أمه ، وعن حال من حكوه هم عنه ، وهو انه رسول اللّه إليهم ، وحكاية الشرك والكفر عن الرسول كفر في نفسه ، ويستلزم اما الكفر بالرسول واما الاخذ بما حكي عنه من الكفر ! ! ( الثاني ) قوله « انه يجوز - على مذهبنا - من اللّه تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار ، لان الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه . فذكر