الشيخ محمد رشيد رضا
265
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى ، ويقابله اللعن فهو يدل على الإبعاد ولكن عن كل خير ، وكذلك لفظ الإبعاد والبعد غلب استعماله في مقام الشر ؛ ( أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ * أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) قال الراغب : والتسبيح تنزيه اللّه تعالى ، وأصله المر السريع في عبادة اللّه تعالى ، وجعل ذلك في فعل الخير ، كما جعل الابعاد في الشر ، فقيل أبعده اللّه ، وجعل التسبيح عاما في العبادات قولا كان أو فعلا أو نية . اه ثم أورد الشواهد من الآيات على اطلاق التسبيح بمعنى الصلاة وبمعنى الدلالة على التنزيه كتسبيح السماوات والأرض وما فيهما . والمراد بتسبيح النية العلم والاعتقاد . وفي كلمة « سُبْحانَكَ » - ومثلها سبحان اللّه - مبالغة في هذا التنزيه أيّ مبالغة ، إذ تدل على المبالغة بمادتها الدالة بمأخذها الاشتقاقي على البعد والايغال والسبح الطويل في هذا البحر المديد الطويل ، وبصيغتها الأصلية وهي التسبيح - التي هي مسمى اسم المصدر ( سبحان ) ومدلوله - فان التفعيل يدل على التكثير ، ثم بالعدول عن هذه الصيغة التي هي مصدر إلى الاسم الذي جعل علما عليها - على قول ابن جني - فان اسم المصدر يدل على تأكيد معنى المصدر وثباته وحقيقته ، لان مدلوله هو لفظ المصدر ، فانتقال الذهن منه إلى المصدر ومن المصدر إلى المعنى بمنزلة تكرار لفظ المصدر ، بل هو أبلغ وأدل على إرادة الحقيقة دون التجوز ، ولم أر أحدا سبقني إلى بيان هذا على كونه في غاية الظهور عند من تأمله [ ومن شدة الظهور الخفاء ] قلنا إن عيسى عليه السّلام بدأ جوابه بتنزيه اللّه عز وجل عن أن يكون معه إله ، فأثبت بهذا أنه على علم يقيني ضروري بأن اللّه تعالى منزه في ذاته وصفاته عن أن يشارك في ألوهيته ، وانتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق ، عن قول ما ليس له بحق ، فقال : ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي ليس من شأني ولا مما يصح وقوعه مني أن أقول قولا ليس لي أدنى حق أن أقوله ، لأنك أيدتني بالعصمة من مثل هذا الباطل . ولا يخفى ان هذا أبلغ في البراءة من نفي ذلك القول وانكاره انكارا مجردا ، لان نفي الشأن يستلزم نفي الفعل نفيا مؤيدا بالدليل ، فهو بتنزيه اللّه تعالى أولا أثبت ان ذلك القول الذي سئل عنه - تمهيدا لإقامة الحجة على من اتخذوه « تفسير القرآن الحكيم » « 34 » « الجزء السابع »