الشيخ محمد رشيد رضا

266

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأمه إلهين - قول باطل ليس فيه شائبة من الحق ، ثم قفى على ذلك بأنه ليس من شأنه ولا مما يقع من مثله أن يقول ما ليس له بحق ، فنتيجة المقدمتين الثابتتين انه لم يقل ذلك القول ثم أكد هذه النتيجة بحجة أخرى قاطعة على سبيل الترقي من البرهان الأدنى الراجع إلى نفسه وهو عصمته عليه السّلام ، إلى البرهان الاعلى الراجع إلى ربه العلّام ، فقال إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي ان كان ذلك القول قد وقع مني فرضا فقد علمته ، لان علمك محيط بكل شيء ، تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي ، فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت اليه فعلمه مني غيري ؟ ولا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا تهديني إليها بنظر واستدلال كسبي ، إلا ما تظهرني عليه بوحي وهبي . قيل إن إضافة كلمة نفس إلى اللّه تعالى من باب المشاكلة ، على أنها وردت بغير مقابل يسوغ ذلك كقوله تعالى ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) * وقيل إنها بمعنى الذات ، والمهم فهم المعنى من هذا الاطلاق . وتنزيه اللّه تعالى عن مشابهة نفسه لأنفس خلقه معروف بالنقل والعقل ، فاستشكال اطلاق الوحي للأسماء مع هذا ضرب من الجهل إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي انك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك ، لان علمك المحيط بكل ما كان وما يكون وما هو كائن علم ذاتي لامنتزع من صور المعلومات ، ولا مستفاد بتلقين ولا بنظر واستدلال ، وانما علم غيرك منك لامن ذاته ، فاما أن يناله بما آتيته من المشاعر أو العقل ، واما أن يتلقاه مما تهبه من الالهام والوحي ، أي وقد علمت أني لم أقل ذلك القول . وشرط « ان » لا يقتضي الوقوع * * * ثم إنه بعد تنزيه ربه ، وتبرئة نفسه ، وإقامة البرهانين على براءته ، بين حقيقة ما قاله لقومه ، لان الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة ، بحيث تظهر لهم هنالك حجة اللّه البالغة ، الا باثبات ما كان يجب أن يكونوا عليه من أمر الدين والتوحيد بعد نفي ضده ، فكان من شأن السامع لما سبق من النفي أن يسأل عما قاله في موضوعه ، ولذلك قال ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ