الشيخ محمد رشيد رضا
264
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من يسمع أو يقرأ سؤال اللّه تعالى لعيسى عن عبادة اللّه له ولأمه تتوق نفسه لي معرفة جوابه عليه السّلام ، وتتوجه إلى السؤال والاستفهام ، فلذلك جاء كأمثاله بأسلوب الاستئناف قالَ سُبْحانَكَ بدأ عليه السّلام جوابه بتنزيهه إلهه وربه عز وجل عن أن يكون معه إله ، خلافا لمن قال إن التنزيه هنا انما هو عن ذلك القول المسؤول عنه ، فذهب إلى أن معنى الجملة : أنزهك تنزيها لائقا من أن أقول ذلك ، أو من أن يقال ذلك في حقك ، وظن أن هذا هو الذي يقتضيه سياق النظم ، وستعلم ما فيه من الضعف ، وان ما اخترناه هو الحق . وكلمة « سبحان » قيل إنها علم للتسبيح ، وقيل إنها مصدر لسبح الثلاثي كالغفران ، واستعملت مضافة باطراد الا ما شذ في الشعر ، والتسبيح تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق به ، وهو من مادة السبح والسباحة وهي الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر ، ومن الثاني سبح الخيل وقالوا فرس سبوح ( كصبور ) ومثله التقديس من القدس وهو الذهاب البعيد في الأرض ، ثم استعمل التسبيح والتقديس في التنزيه . قالوا : ان التسبيح يدل على الإبعاد ولكن عن كل شر وسوء ، ولذا خص بتنزيه اللّه
--> - سفر التكوين في عداوة الحية للمرأة ونسلها وفسر المرأة بالعذراء ثم قال : « ألا ترى انك لا ترى من هذا النص شيئا ينوه بالعذراء تنويها جليا إلى أن جاء ذلك النبي العظيم إيليا الحي فابرز عبادة العذراء من حيز الرمز والابهام ، إلى عالم الصراحة والتبيان » ثم فسر هذه الصراحة وهذا التبيان بما في سفر الملوك الثالث ( بحسب تقسيم الكاتوليك ) من أن إيليا حين كان مع غلامه في راس الكرمل أمره سبع مرات ان يتطلع نحو البحر ، فأخبره الغلام بعد تطلعه المرة السابعة انه رأى سحابة قدر راحة الرجل طالعة من البحر . وقال ( اي الكاتب للمقال ) في تلك القزعة من السحاب : « فمن ذلك النشيء ( أول ما ينشأ من السحاب ) ؟ قلت إن هو الا صورة مريم على ما احقه المفسرون بل وصورة الحبل بلا دنس أصلي » الخ ثم قال « هذا هو أصل عبادة العذراء في الشرق العزيز ، وهو يرتقي إلى المئة العاشرة قبل المسيح ، والفضل في ذلك عائد إلى هذا النبي إيليا العظيم » ثم قال « ولذلك كان أجداد الكرمليين أول من آمن أيضا بالاله يسوع بعد الرسل والتلامذة وأول من أقام للعذراء معبدا بعد انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد »