الشيخ محمد رشيد رضا

263

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما هو صلاة ذات دعاء وثناء ، واستغاثة واستشفاع ، ومنها صيام ينسب إليها ، ويسمى باسمها ، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها ، واعتقاد السلطة الغيبية لها ، التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها ، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها ، ولكن لا نعرف عن فرقة من فرقهم اطلاق كلمة ( إله ) عليها ، بل يسمونها ( والدة الإله ) ويصرح بعض فرقهم بأن ذلك حقيقة لا مجاز ، والقرآن يقول هنا انهم اتخذوها وابنها إلهين ، والاتخاذ غير التسمية ، فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعا ، وبين في آية أخرى انهم قالوا ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) * وذلك معنى آخر . وقد فسر النبي ( ص ) قوله تعالى في أهل الكتاب ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) انهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا انهم سموهم أربابا وأول نص صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب ( السواعي ) من كتب الروم الأرثوذكس ، وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى ( دير البلمند ) وأنا في أول العهد بمعاهد التعليم . وطوائف الكاثوليك يصرحون بذلك ويفاخرون به . وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم ( المشرق ) إذ جعلوه تذكارا لمرور خمسين سنة على اعلان البابابيوس التاسع ان مريم البتول « حبل بها بلا دنس الخطية » وأثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية ، ومنه قول ( الأب لويس شيخو ) في مقالة له فيه عن الكنائس الشرقية « ان تعبد الكنيسة الأرمنية للبتول الطاهرة أم اللّه لأمر مشهور » وقوله « قد امتازت الكنيسة القبطية بعبادتها للبتول المغبوطة أم اللّه » « * »

--> ( * ) إذا أردت نصا من نصوص بعض فرقهم على هذه العبادة وما يستدلون به على أصلها وحقيتها عندهم على طريقتهم في الاستدلال من العهد العتيق على عقائدهم فتأمل ما نشر في العدد الرابع عشر من مجلد السنة الخامسة من مجلة المشرق الكاتوليكية البيروتية بقلم « الأب انستاس الكرملي » وهو مقال موضوعه ( أصل رهبانية الكرمل ) فقد صرح فيه بان لعبادة مريم العذراء أصلا في العهد العتيق ، وجعل عنوان أول فصل من هذا المقال « قدم التعبد للعذراء » وذكر في أوله عبارة -