الشيخ محمد رشيد رضا

262

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة كما حكى اللّه عنهم في قوله ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) وقوله ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) الخ - وقلما يوجد في البشر المتدينين من يتخذ إلها غير اللّه متجاوزا بعبادته الايمان باللّه الذي هو خالق الكون ومدبره ، فان الايمان الفطري المغروس في غرائز البشر هو أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية لا يدرك أحد كنهها ، فالموحدون أتباع الرسل يتوجهون بعباداتهم القولية والفعلية إلى صاحب هذه القوة الغيبية وحده ، معتقدين انه هو الفاعل المطلق وحده ، وان كل فعل ينسب إلى غيره فإنما ينسب اليه كذبا أو على أنه فعله باقدار اللّه إياه عليه وتسخيره له بمقتضى سننه في خلقه ، التي قام بها نظام الأسباب والمسببات بمشيئته وحكمته ، والمشركون يتوجهون تارة اليه وتارة إلى بعض ما يستكبرون خصائصه من خلقه ، كالشمس والنجم ، وبعض مواليد الأرض ، وتارة يتوجهون اليهما معا فيجعلون الثاني وسيلة إلى الأول . ومن يشعر بسلطة غيبية تتجلى له في بعض الخلق فهو يخشى ضرها ويرجو نفعها ، ولا يمتد نظر عقله ولا شعور قلبه إلى سلطة فوقها ، ولا يتفكر في خلق هذه الأكوان ، فهو أقرب إلى الحيوان منه إلى الانسان ، فلا يعد من العقلاء المستعدين لفهم الشرائع وحقائق الدين ، على أنه يصدق عليه انه اتخذ إلها من دون اللّه ، ولكن هذا النوع من الاتخاذ غير مراد هنا لان الذين شرعوا للناس عبادة المسيح وأمه كانوا من شعوب مرتقية حتى في وثنيتها ، ولها فلسفة دقيقة فيها ، وهم اليونان والرومان ، وبعض اليهود المطلعين على تلك الفلسفة جد الاطلاع . وجملة القول إن اتخاذ إله من دون اللّه يراد به عبادة غيره سواء كانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره ، ولو بدعاء غيره والتوجه اليه ليكون واسطة عنده ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ) أما اتخاذهم المسيح إلها فقد تقدم بيانه في مواضع من تفسير هذه السورة ، وأما أمه فعبادتها كانت متفقا عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين ، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد الاسلام بعدة قرون ان هذه العبادة التي توجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح ( عليهما السّلام ) منها