الشيخ محمد رشيد رضا

258

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

آنفا ، وهذا الترتيب كاف لحمل الحواريين على ترك طلبها بل طلب الاستقالة من انزالها . وما كان مثل الحسن ومجاهد وقتادة من أئمة التفسير ليخفى عليهم ان الوعد غير معلق بشرط وأنه انما جعل الوعيد مرتبا عليه ترتيبا ، ولكنهم رأوا ان هذا سبب كاف في عدم معارضة الوعد لما رووه من تنصل القوم واستقالتهم من ذلك الطلب وإقالة اللّه إياهم منه . وحينئذ لا يكون عدم انزالها إخلافا للوعد ، فان من وعد غيره بشيء وأراد أن ينجزه له مرتبا عليه تكليفا أو تخويفا حمل الموعود على عدم القبول لا يسمى مخلفا وأما جوابه عن الحجة الثانية فهو دعوى تحتاج إلى اثبات إذ لا يثبت انه كان عند أتباع المسيح عيد للمائدة إلا بنص عن المعصوم أو نقل يعتد به من تاريخهم . وسيأتي ما عند النصارى من ذلك وانه ليس بعيد ليوم نزول المائدة والظاهر أن الرازي لم يطلع عليه ، ومنه يعلم ما في قول الحافظ ابن كثير : ان النصارى لا تعرف خبر المائدة وانه ليس في كتابهم المقدس عندهم ، نعم ان كتابهم أو كتبهم ليس لها أسانيد متصلة لا بالتواتر ولا بالآحاد . ولكن يقال مع ذلك أنه لو كان لسلفهم عيد عام للمائدة لكان من الشعائر التي تتوفر الدواعي على نقلها بالقول والعمل . ويجاب بأنه يجوز ان يكون المراد بالعيد اجتماع الحواريين وأمثالهم لصلاة ونحوها كما قيل ، فان هذا يجوز أن ينسى لإخفائهم إياه في زمن الاضطهاد ، أو بأن الذين أظهروا النصرانية بعد استخفاء أهلها بالاضطهاد لا يدخلون في عموم قوله ( وآخرنا ) لأنهم بدلوا وهو الذي أجاب به الرازي ، أو بان المراد بالعيد الذكرى والموعظة لمؤمنيهم المتبعين له عليه السّلام كما تقدم عن سلمان ( رض ) ويجوز أيضا ان يكون العيد بغير اسم المائدة ، وان يكون معنى قوله « تَكُونُ لَنا عِيداً » - تكون طعاما للعيد . وهو يصدق باطعامه العدد الكثير من الخبز والسمك القليل في عيد الفصح كما يأتي قريبا . ثم إن كتب النصارى من الأناجيل وغيرها قسمان أحدهما قانوني وهو ما أقرته . الكنيسة واعتمدته ، والثاني غير قانوني وهو ما رفضته الكنيسة ولم تعتمده ، ومنه إنجيل برنابا الذي صرح فيه بالتوحيد الخالص والبشارة بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنجيل الطفولية الذي ذكر فيه مسألة جعله هيئة من الطين كهيئة الطير نفخ فيها