الشيخ محمد رشيد رضا
250
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أقول في متعلق الظرف قولان للمفسرين رجح أبو السعود المشهور منهما وهو الأول ورد الثاني الذي جرى عليه الزمخشري في الكشاف وهو انه متعلق بقوله تعالى ( قالُوا آمَنَّا ) أي ادعوا الايمان وأشهدوا اللّه على أنفسهم انهم مسلمون مخلصون في ايمانهم في الوقت الذي قالوا فيه ما ينافي ذلك وهو قولهم « يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ » ويقول الزمخشري ان اللّه تعالى ما وصفهم بالايمان والاسلام وانما حكى قولهم حكاية ووصله بما يدل على كذبهم فيه وهو سؤالهم هذا وجوابه عليه السّلام لهم إذ أمرهم بتقوى اللّه ان كانوا مؤمنين حقا ، واصرارهم على السؤال بعد ذلك ، ووجه رد هذا القول أنه لو كان هو المراد لقيل « إذ قالوا يا عيسى ابن مريم » ولم يقل « إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ » ولما صح أن تكون دعوى الايمان من الحواريين نعمة من اللّه على عيسى - وهي كاذبة - ولا أن تكون عن وحي من اللّه تعالى . ولكن هذا الأخير لا يرد على الزمخشري لأنه فسر الوحي إلى الحواريين بالايمان بأنه أمر اللّه إياهم بذلك على ألسنة الرسل ، أي أمره إياهم مع غيرهم إذ كلف الناس كافة بأن يؤمنوا بما تجيئهم به الرسل . ولكن يرد قوله أيضا تسميتهم بالحواريين وما في سورتي آل عمران والصف من اجابتهم عيسى إلى نصره . ولعله يرى أن هذا شأنهم في أول الدعوة ثم آمنوا بعد ذلك وصاروا أنصار اللّه ورسوله عيسى عليه السّلام وقد حكى أبو السعود بعد ما ذكرناه عنه الخلاف في ايمانهم . ومنشأ هذا الخلاف كلمة « يَسْتَطِيعُ » وقد قرأ الكسائي « هل تستطيع ربّك » قالوا أي سؤال ربك ، وهذه القراءة مروية عن علي وعائشة وابن عباس ومعاذ من علماء الصحابة ( رض ) وقد صحح الحاكم عن معاذ أن النبي ( ص ) أقرأه « تستطيع ربك » ومثله في ذلك غيره لان تلقين القرآن لا يتوقف على تصريح الصحابي برفعه ، وقرأ الجمهور ( يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) وهذا الذي استشكل بأنه لا يصدر عن مؤمن صحيح الايمان . وأجاب عنه القائلون بصحة ايمانهم من وجوه ( 1 ) ان هذا السؤال لأجل اطمئنان القلب بايمان العيان لا للشك في قدرة اللّه تعالى على ذلك ، فهو على حد سؤال إبراهيم صلّى اللّه عليه وعلى آله سلّم رؤية كيفية احياء الموتى ليطمئن قلبه