الشيخ محمد رشيد رضا

251

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بايمان الشهادة والمعاينة مع اقراره بايمانه بذلك بالغيب ( 2 ) انه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبر عنه بلازمه ( 3 ) ان السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة الإلهية لا بحسب القدرة ، أي هل ينافي حكمة ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء أم لا ، فان ما ينافي الحكمة لا يقع وان كان مما تتعلق به القدرة ، كعقاب المحسن على احسانه ، وإثابة الظالم المسئ على ظلمه ( 4 ) ان في الكلام حذفا تقديره : هل تستطيع سؤال ربك . ويدل عليه قراءة : هل تستطيع ربك ، والمعنى هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك ( 5 ) ان الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة ، والمعنى هل يطيعك ويجيب دعاءك ربك إذا سألته ذلك . وأقول ربما يظن الأكثرون ان هذا الوجه الأخير تكلف بعيد وليس كذلك . فالاستطاعة استفعال من الطوع وهو ضد الكره . قال تعالى ( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) وفي لسان العرب : الطوع نقيض الكره ، طاعه يطوعه وطاوعه ، والاسم الطواعة والطواعية ( ثم قال ) ويقال طعت له وأنا أطيع طاعة ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وطائعا أو كارها ، وجاء فلان طائعا غير مكره . . . قال ابن سيده : وطاع يطاع وأطاع - لان وانقاد ، وأطاعه إطاعة وانطاع له كذلك . وفي التهذيب : وقد طاع له يطوع إذا انقاد له بغير الف ، فإذا مضى لامره فقد أطاعه . فإذا وافقه فقد طاوعه . اه فيفهم من هذا أن إطاعة الامر فعله عن اختيار ورضى ولذلك عبر به عن امتثال أوامر الدين لأنها لا تكون دينا الا إذا كانت عن اذعان ووازع نفسي . والذي أفهمه ان الاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة ، فإذا كان « استجاب له » بمعنى أجاب دعاءه أو سؤاله - فمعنى استطاعه أطاعه ، أي انقاد له وصار في طوعه أو طوعا له . والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيهما وهو الطلب ، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف . فأصل استطاع الشيء - طلب وحاول أن يكون ذلك الشيء طوعا له فأطاعه وانقاد له ، ومعنى استجاب - سئل شيئا وطلب منه أن يجيب اليه فأجاب . فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين ان يستطيع هنا بمعنى يطيع ، وان معنى يطيع يفعل مختارا راضيا غير كاره ، فصار حاصل معنى الجملة " هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء