الشيخ محمد رشيد رضا

249

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من كل عيب . اه « 1 » واللغة لا تدل على النقاء من كل عيب بهذا التحديد ، وانما تدل على النقاء والخلوص مطلقا ، فيكفي في صحة الاطلاق أن يكونوا قد خلصوا لنصره ، أو خلصوا ونقوا من الكفر والنفاق . وقد حكى اللّه عنهم هنا انهم قالوا : آمنا . أي باللّه ورسوله عيسى عليه السّلام . وأشهدوا اللّه على أنفسهم انهم مسلمون ، أي مخلصون في ايمانهم مذعنين لما يترتب عليه من الامر والنهي ، وحكى عنهم في في سورتي [ آل عمران ] و [ الصف ] أنهم حين قال المسيح ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ) قالوا ( نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ) * * * إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قال أبو السعود العمادي في تفسير « إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ » ما نصه : كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السّلام وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الاظهار في موقع الاضمار ، و « إذ » منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسّلام ، بطريق تلوين الخطاب والالتفات ، لكن لا لأن الخطاب السابق لعيسى عليه السّلام فإنه ليس بخطاب وانما هو حكاية خطاب ، بل لأن الخطاب لمن خوطب بقوله تعالى ( اتَّقُوا اللَّهَ ) - الآية - فتأمل ، كأنه قيل للنبي ( ص ) عقيب حكاية ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم اللّه تعالى الفائضة على عيسى عليه السّلام : أذكر للناس وقت قولهم الخ وقيل هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الايمان والاخلاص ، لم يكن عن تحقيق وايقان ، ولا يساعده النظم الكريم . اه

--> ( 1 ) زعم بعض كتاب النصارى المعاصرين أن كلمة « الحواري » محرفة عن كلمة الخوري اليونانية ، وهو زعم شبهته ضعيفة والبراهين على بطلانه قوية ، فالكلمة لم تستعمل في القرآن الا بصيغةجمع المذكر السالم وهو منقول بالتواتر اللفظي والخطي ومعروف معناه في اللغة ، وجمع الخوري خوارنة لا خواريون . ولو أخذ اللفظ المفرد ( حواري ) فرد أو افراد من كتاب العرب عن كتابة لنصارى الروم أو غيرهم لامكن حينئذ ان يقال إنهم حرفوه إن ثبت أن الروم أو غيرهم كانوا يطلقون لقب الخوري على تلاميذ المسيح ، كيف ومعنى الخوري الكاهن المدبر للقرية ولم يطلقه أحد من العرب بهذا المعنى ؟