الشيخ محمد رشيد رضا

245

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

العلم الصحيح الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع بما فيه من الاقناع والعبرة والبصيرة وفقه الاحكام ، والتوراة - وهي الشريعة الموسوية ، والإنجيل - وهو ما أوحاه تعالى اليه من الحكم والاحكام ، والبشارة بخاتم الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وقد سبق لنا تفصيل القول في حقيقة التوراة والإنجيل في تفسير أول سورة آل عمران ( ص 155 - إلى 159 ج 3 تفسير ) وفي تفسير هذه السورة ( ص 283 - 302 ج 6 تفسير ) وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ، فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي قرأ نافع هنا وفي آية آل عمران « فتكون طائرا » والطائر واحد الطير - كراكب وركب - والجمهور « فَتَكُونُ طَيْراً » قيل هو جمع وقيل اسم جمع ، وأجاز أبو عبيدة وقطرب إطلاق طير على الواحد ولعله مبني على أن أصله المصدر كما وجهه ابن سيده . ولفظ الطير مؤنث بمعنى جماعة . والخلق في أصل اللغة التقدير أي جعل الشيء بمقدار معين . يقال خلق الإسكافي النعل ثم فرآه ، أي عين شكله ومقداره ثم قطعه قال الشاعر : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري ومنه خلق الكذب والافك قال تعالى ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) أي تقدرون وتزورون كلاما يأفك سامعه أي يصرفه عن الحق . ويستعمل في ايجاد اللّه تعالى الأشياء بتقدير معين في علمه . والمعنى : واذكر نعمتي عليك إذ تجعل قطعة من الطين مثل هيئة الطير في شكلها ومقادير أعضائها فتنفخ فيها بعد ذلك فتكون طيرا باذن اللّه ومشيئته ، أو بتسهيله أو تكوينه ، إذ يجعل جلت قدرته نفسك سببا لحلول الحياة في تلك الصورة من الطين ، فأنت تفعل التقدير والنفخ ، واللّه هو الذي يكوّن الطير . وقد تقدم في تفسير نظير هذه الآية من سورة آل عمران كلام عن شيخنا الأستاذ الامام مضمونه ان عيسى عليه السّلام أعطي هذه الآية أي مكنه اللّه منها ولم يفعلها . واستدركنا على ذلك بالإشارة إلى دلالة آية المائدة هذه على وقوعها من غير جزم بذلك ، وبينا سر ذلك وحكمته عند الصوفية وهو قوة روحانية عيسى عليه السّلام ، ولا يبعد كتمان اليهود لهذه الآية إذا كان رآها بعضهم مرة واحدة وعدها من السحر اعتقادا أو مكابرة وخاف أن تجذب قومه إلى المسيح ، ولكن قوله تعالى - باذني