الشيخ محمد رشيد رضا

234

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأولى الاحكام الاجتهادية بالنظر والاعتبار ما اتفق عليه كبار المجتهدين ، وجرى عليه عمل حكام العصور الأولى من المسلمين ، ومنه عدم قبول شهادة الكافر على المسلم في القضايا الشخصية والمدنية والجنائية على حد سواء ، فما سبب ذلك ؟ ولماذا لم يأخذوا بظاهر آية المائدة - وهي من آخر ما نزل من القرآن - فيعدوها شارعة لقبول شهادة غير المسلم عند الحاجة مطلقا ، أو في غير ما ورد النص باشهاد المسلمين العدول عليه لحكمة تقتضي ذلك كما تقدم آنفا في بيان المقابلة بين آيات الشهادة ؟ أوليس الغرض من الشهادة أن تكون بينة يعرف بها الحق ، وقد يتوقف بيانه على شهادة شهداء من غير المسلمين يثق الحاكم بصدقهم وصحة شهادتهم ؟ الجواب عن هذا السؤال يعلم بالنظر فيما استدلوا به على منع شهادة الكافر وبمعرفة حال المسلمين مع الكفار في عصر التنزيل وعصر وضع الفقه والتصنيف فيه وعمل الحكام باجتهادهم ثم بأقوال علمائه فأما الاستدلال فقد علم مما تقدم أن له من القرآن مأخذين ( الأول ) جعل قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) مقيدا للاطلاق في قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) وفي هذا الاستدلال أبحاث ( أحدها ) انه من مسائل الأصول التي اختلف فيها المتفقون على منع شهادة غير المسلم على المسلم ، وقد اتفقوا على أن المطلق والمقيد إذا اختلفا في السبب والحكم لا يحمل أحدهما على الآخر ، وإذا اتفقا فالخلاف في عدم الحمل ضعيف والجمهور على الحمل ، وأما إذا اختلفا في السبب دون الحكم كمسائل الاشهاد على النساء واليتامى والبيع والوصية وكذا عتق الرقبة في كفارات القتل والظهار واليمين ، فالخلاف في الحمل وعدمه قوي والأقوال فيه متعددة فلم اتفق المختلفون فيها على منع شهادة غير المسلم مطلقا أو فيما عدا الوصية أو الطب ؟ ( ثانيها ) ان الاشهاد الاختياري غير الشهادة ، فالامر باختيار أفضل الناس ايمانا وعدالة للاشهاد لا يستلزم عدم الاعتداد بشهادة من دونهم في الفضيلة . فان الشهادة بينة ، والبينة كل ما يتبين به الحق كما يدل عليه استعمال الكتاب والسنة ، وقد أطال العلامة ابن القيم في اثبات هذا وايضاحه في كتابه ( أعلام الموقعين ) ( ثالثها ) ان قوله تعالى ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) فيه توسعة عظيمة في