الشيخ محمد رشيد رضا

235

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاشهاد ، ونحن إلى التوسعة في الشهادة نفسها أحوج ، فان كثيرا من الجنايات والعقود والاقرار قد تقع من بعض المسلمين على مرأى ومسمع من غيرهم ، وقد يكون هؤلاء الذين سمعوا ورأوا من أهل الصدق والأمانة ، لان دينهم يحرم الكذب والخيانة ، فلماذا نضيع أمثال هذه الحقوق التي يمكن اثباتها بشهادتهم إذا تجرأ الذين أنكروها على اليمين كما تجرؤا على الكذب بالانكار ؟ ( المأخذ الثاني ) ان اللّه تعالى قد أمرنا أن نشهد ذوي عدل منا معشر المؤمنين وعلة ذلك بديهية وهي ان المؤمن العدل ، يتحرى الصدق الذي يثبت به الحق ، ونحن نشترط في قبول الشهادة الامرين ، ونرى ان غير المؤمن المسلم لا يكون صادقا عدلا ، وإذا كان فقد العدالة يوجب رد الشهادة عندنا ففقد الايمان أولى بذلك وفي هذا الاستدلال نظر من وجهين ( أحدهما ) أن الايمان باللّه وبشرع له يحرم الكذب كاف لتحقيق المقصد الذي تتوخونه من الشهادة . وهذا مما يوجد في غير الاسلام من الملل . وقولكم إن غير المسلم لا يكون صادقا ولا عدلا لا دليل عليه من النقل ، ولا من سيرة البشر المعلومة بالاختبار والعقل أما النقل فقد جاء على خلافه فان اللّه تعالى يقول ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) فان حمل هذا على من كان قبل بعثة نبينا أو على من آمن به فلا يمكن أن يحمل عليهم قوله تعالى ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) فهذه شهادة لهم بالأمانة ، وقد استشهد الرسول ( ص ) بعض اليهود على آية الرجم في التوراة فاعترف بها بعضهم لما أقسم عليه باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ( راجع ص 386 ج 6 من التفسير ) وقد بينا في التفسير مرارا عدل القرآن ودقته في الحكم بالفساد على الأمم إذ يحكم على الأكثر أو يستثني بعد اطلاق الحكم العام . وما روي من قبول النبي ( ص ) ثم أبي موسى الأشعري ( رض ) لشهادتهم في الوصية عملا بالقرآن مبني على أن الأصل في خبر الانسان الصدق وان كان كافرا ، وانه لا يعدل عن هذا الأصل الا عند وجود التهمة ، وعليه جمهور السلف ، وهو يستلزم إثبات عدالتهم كما تقدم عن الحافظ ابن حجر ( ص 232 ) وبهذا يسقط قياس الكافر على الفاسق ، وقد قبل المحدثون رواية المبتدع الذي يحرم الكذب مطلقا أو فيما عدا تأييد بدعته