الشيخ محمد رشيد رضا

228

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بينا ما يجب البر به وما يجب الحنث به من الايمان وسائر مهمات أحكامها في تفسير آية كفارتها من هذه السورة ( 8 ) ان الأصل في أخبار الناس وشهاداتهم التي هي أخبار مؤكدة صادرة عن علم صحيح أن تكون مقبولة مصدقة . ولهذا شرط في حكم تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما ، وصدر هذا الشرط بأن التي لا تدل على تحقق الوقوع ، إشارة إلى أن الأصل في وقوعها أن يكون شاذا ( 9 ) ان الأصل في الناس أن يكونوا أمناء ، وفي المؤتمن أن يكون أمينا ، وأن يكون ما يقوله في أمر الأمانة مقبولا . ولذلك قال « فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً » فأفادت أداة الشرط ان الأصل في هذا أن لا يقع ، وانه ان وقع كان شاذا . وأفاد فعل « عثر » المبني للمفعول ان هذا الشذوذ ان وقع فشأنه أن يطلع عليه بالمصادفة والاتفاق ، لا بالبحث وتتبع العثرات ( 10 ) شرعية تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم في شهادتهم ، وهو الذي عليه العمل الآن في أكثر الأمم ، بل تحتمه قوانينها الوضعية باطراد لكثرة ما يقع من شهادة الزور ، وسيأتي بحث الفقهاء في ذلك ( 11 و 12 ) شرعية ائتمان المسلم لغير المسلم على المال وشرعية تحليف المؤتمن والعمل بيمينه ( 13 ) شرعية ردّ اليمين إلى من قام الدليل على ضياع حق له بيمين صار حالفها خصما له . ومن هذا القبيل شهادة المتلاعنين وأقسامهما ، فإذا شهد الرجل على امرأته بالزنا تلك الشهادة المشروعة في سورة النور المتضمنة للقسم المغلظ - ترد الشهادة مع اليمين إلى زوجه التي رماها بذلك ، فإذا شهدت باللّه مثل شهادته سقط عنها الحد وبرئت من التهمة في شرع للّه ، وبالنسبة إلى غيره من عباد اللّه . ومنه أيمان القسامة في الدماء ، وقد اختلف الفقهاء فيمن يبدأ باليمين - آلمدعون ذوو القتيل ؟ أم المدعى عليهم ذوو المتهم بالقتل ، وأيا ما كان البادؤن فان الايمان ترد إلى الآخرين ( 14 ) إذا احتيج إلى قيام بعض الورثة لميت بأمر يتعلق بالتركة فالذي يجب تقديمه منهم للقيام به من كان أولاهم به . ومن بلاغة الايجاز إبهام الأوليين بالقسم