الشيخ محمد رشيد رضا

20

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بكيفية يرى بها باطن فخذه ، والرجال والنساء في قلة الستر سواء ، فترى النساء في أسواق المدن مكشوفات البطون والظهور والسوق والافخاذ ، ومنهن من تضع على عاتقها ملحفة تستر شطر بدنها الاعلى ويبقى الجانب الآخر مكشوفا وجملة القول إن تحريم الطيبات والزينة وتعذيب النفس من العبادات المأثورة عن قدماء الهنود فاليونان ، وقلدهم فيها أهل الكتاب ولا سيما النصارى ، فإنهم - على تفصيهم من شريعة التوراة الشديدة الوطأة ، وعلى إباحة مقدسهم وإمامهم بولس جميع ما يؤكل ويشرب لهم ، الا الدم المسفوح وما ذبح للأصنام - قد شددوا على أنفسهم ، وحرموا عليها ما لم تحرمه الكتب المقدسة عندهم ، على ما فيها من الشدة والمبالغة في الزهد ثم أرسل اللّه تعالى خاتم النبيين والمرسلين بالاصلاح الأعظم ، فأباح للبشر الزينة والطيبات ، ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، وأرشدهم إلى إعطاء البدن حقه والروح حقها ، لأن الانسان مركب من روح وجسد ، فيجب عليه العدل بينهما . وهذا هو الكمال البشري . فكانت الأمة الاسلامية بذلك أمة وسطا صالحة للشهادة علي جميع الأمم وأن تكون حجة للّه عليها ، كما تقدم بيان ذلك في أول الجزء الثاني من هذا التفسير ، وبذلك كانت جديرة بالبحث عن اسرار الخلق ومنافعه ، وتسخير قوى الأرض والجو للتمتع بنعم اللّه فيها ، مع الشكر عليها ، ولكنها قصرت في ذلك ثم انقطعت عن السير في طريقه بعد أن قطع سلفها شوطا واسعا فيه ولما كان حب المبالغة والغلو من دأب البشر وشنشنتهم في كل شؤونهم ، ما من شيء الا ويوجد من يميل إلى الافراط فيه ؛ كما يوجد من يميل إلى التفريط - استشار بعض الصحابة رضي اللّه عنهم نبي الرحمة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في تحريم الطيبات والنساء على أنفسهم ، وتركها بعضهم من غير استشارة ، اشتغالا عنها بصيام النهار وقيام الليل ، فنهاهم عن ذلك . وأنزل اللّه تعالى هذه الآية وما في معناها من الآيات في تحريم الخبائث ، والمنة بحل الطيبات ، وبين ذلك الرسول ( ص ) بقوله وفعله أحسن البيان واننا نذكر هنا بعض الأخبار والآثار المروية في ذلك لتكون حجة على أهل الغلو في هذا الدين ، الذين تركوا هدايته السمحة إلى تشديد الغابرين ،